حول العودة..لن أنساك بلدي ما حييت

0

الانتفاضة/ الكاتب والنّاقذ الباحث الإجتماعيّ، بنوايا حسنة أ، حسن عابد أبو خديجة المغربيّة من ولاية بولونيا ، ببلاد الرّوم العظيمة .

هناك رحلات لا تُقاس بعدد الكيلومترات التي يقطعها المسافر، ولا بعدد الساعات التي يقضيها في الطائرة، بل بما يحمله قلبه من مشاعر، وما يتركه خلفه من أحبة وذكريات، وما ينتظره في بلاد الإقامة من مسؤوليات وتحديات.

اليوم، الأحد 18 أكتوبر 2026، أستعد للعودة إلى إيطاليا، وتحديداً إلى بولونيا، بعد أيام قضيتها في أرض الوطن، المغرب العزيز، وفي رحاب الأهل والأحبة. إنها عودة تحمل في ظاهرها إجراءات السفر والأمتعة وتذكرة الطائرة، لكنها في باطنها حكاية إنسانية تختلط فيها مشاعر الفرح باللقاء، والحزن على الفراق، والقلق من الطريق، والتفكير في المستقبل.

وداع الأهل أصعب من الرحيل نفسه

من أصعب اللحظات التي يعيشها الإنسان المهاجر لحظة الوداع. قد يلتقي المرء بأهله وزوجته وأبنائه، ويستمتع بقربهم، ثم يجد نفسه مضطراً إلى مغادرة المكان من جديد، وكأن الغربة تذكّره في كل مرة بأن اللقاء، مهما كان جميلاً، قد يكون مؤقتاً.

كان وداعي لأختي بمدينة الجديدة وأهلها من اللحظات التي تركت في نفسي أثراً خاصاً. أحببت هذه المدينة وأهلها، ورأيت فيها تغيرات وتطورات تستحق الحمد والشكر لله. غير أنني، مثل كثير من المواطنين، لا أستطيع تجاهل غلاء المعيشة وما يثقل به كاهل الأسر، وهو أمر يستدعي انتباهاً جدياً من المسؤولين والسياسيين، حتى تظل ثمار التنمية محسوسة في الحياة اليومية للمواطن.

فالتقدم الحقيقي لا يُقاس بالمظاهر وحدها، بل بقدرة الأسرة على العيش الكريم، وبمدىْ شعور المواطن بالأمان الاجتماعي والاستقرار.

حين يصبح السفر امتحاناً للنفس

قد يظن البعض أن أصعب ما في السفر هو طول الطريق، لكن للمهاجر حسابات أخرى لا يراها المسافر العابر.

منذ يوم الاستعداد للرحيل، يبدأ التفكير في الحقائب، وفي الوزن المسموح به، وفي احتمال تجاوز الحدود المقررة، وما قد يترتب على ذلك من مصاريف إضافية أو ارتباك في المطار. وتتحول الأمتعة، التي يفترض أن تحمل حاجاتنا وذكرياتنا، إلى مصدر للقلق والتوتر.

وقد ظللت أفكر في هذه التفاصيل حتى غلبني السهر، ولم أستطع النوم كما ينبغي. وبين وثائق السفر وإجراءات تسليم الحقائب، وجدت نفسي أعيش ذلك الصراع الصامت بين الرغبة في الوصول بسلام، والخوف من المفاجآت، والحرص على ألا تتحول رحلة العودة إلى عبء جديد.

إنها معاناة نفسية حقيقية يعيشها عدد من المهاجرين، ولا سيما الذين يحاولون التوفيق بين التزاماتهم الأسرية والمادية والمهنية. فالمهاجر لا يسافر بجسده فقط؛ إنه يحمل معه مسؤولياته وذكرياته ومخاوفه وأحلامه.

لالة خديجة… كلمة «بابا» التي تختصر الدنيا

وسط كل هذه التفاصيل، تبقى هناك كلمة واحدة أحتاج إلى سماعها من أعماق قلبي: «بابا».

إنها كلمة ابنتي الوحيدة، لالة خديجة عابد المغربية، التي أسأل الله أن يحفظها لي، وأن يحيطها برعايته، ويحفظ جميع الأبناء والبنات المغاربة والمسلمين أينما كانوا.

قد تبدو كلمة «بابا» بسيطة في نظر البعض، لكنها بالنسبة إلى الأب المسافر تختصر عالماً كاملاً من الحب والحنان والمسؤولية. ففي لحظات الوداع، لا يحتاج الأب دائماً إلى كلمات كثيرة؛ يكفيه صوت ابنته، ونظرة من عينيها، وإحساسه بأنه حاضر في قلبها رغم المسافات.

وهنا تتجلى المفارقة التي يعرفها كل مهاجر: قد يعود الإنسان إلى بلده ليلتقي بأحبائه، ثم يغادره وهو يحمل شوقاً جديداً إليهم. وهكذا لا تنتهي الغربة عند مغادرة الوطن، بل قد تبدأ من جديد منذ اللحظة التي نبتعد فيها عن الذين نحبهم.

تجربة انتخابية… المشاركة شرف قبل أن تكون فوزاً

لم تكن زيارتي إلى المغرب مرتبطة بالعائلة وحدها، بل جاءت أيضاً في سياق تجربة سياسية وديمقراطية عشتها خلال الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026.

لقد شاركت بصفتي وكيلاً للائحة حزب الوسط الاجتماعي، في الدائرة الانتخابية الخاصة بعمالة مقاطعات الدار البيضاء آنفا، التابعة لجهة الدار البيضاء–سطات.

خضت هذه التجربة بإمكاناتي الشخصية والمادية، وباجتهاد فردي، واضعاً نصب عيني أن المشاركة السياسية ليست مجرد سباق نحو المقاعد، بل مسؤولية أخلاقية ومساهمة في بناء الحياة الديمقراطية الوطنية.

وأعتز بأنني حرصت، خلال هذه التجربة، على احترام المنافسين السياسيين، مهما اختلفت توجهاتهم الأيديولوجية وانتماءاتهم. فلم أجعل من الاختلاف سبباً للسب أو الشتم أو الإساءة، لأنني أؤمن بأن كرامة الإنسان لا ينبغي أن تكون موضوعاً للمساومة، وأن السياسة التي لا تحترم الإنسان تفقد جانباً أساسياً من معناها.

قد يفوز مرشح، وقد لا يحالف التوفيق مرشحاً آخر، لكن قيمة المشاركة لا تختزل في النتيجة النهائية. فقد خرجت من هذه التجربة بقناعة راسخة مفادها أن خدمة الوطن تظل أوسع من أي منصب، وأن المصلحة الوطنية ينبغي أن تكون فوق الحسابات الشخصية والاختبارات الانتخابية.

وأتقدم بالشكر والتقدير إلى السيد الحسين مديح، الأمين العام لحزب الوسط الاجتماعي، على ما أبداه من تشجيع واحتضان وتوجيه، وعلى الثقة التي منحني إياها بتكليفي بقيادة اللائحة في هذه الدائرة. وأثمّن كل موقف يقوم على الاحترام المتبادل، وعلى الاعتراف بما يبذله المواطن من جهد في خدمة الشأن العام.

إن الاختلاف السياسي لا يمنع الاعتراف بالجميل، كما أن عدم الفوز لا يمحو قيمة التجربة. فالديمقراطية تُبنى بالمشاركة، وباحترام المؤسسات، وبقبول النتائج، وبالاستمرار في خدمة المجتمع بوسائل مدنية وسلمية.

بين المغرب وإيطاليا… وطن في القلب ومسؤولية في الغربة

أعود الآن إلى إيطاليا، التي اعتدت أن أواجه فيها مسؤولياتي اليومية، وأن أتابع أعمالي والتزاماتي في بولونيا، وفي المنطقة التابعة لبلدية سان لازارو دي سافينا.

إن بلاد الإقامة، مهما وفرت للإنسان من فرص، لا تخلو من تحديات ومشكلات. فهناك العمل، ومتطلبات الحياة، والمسؤوليات الاجتماعية، والالتزامات التي تنتظرني فور وصولي. وأعلم أن العودة لن تكون مجرد استراحة بعد السفر، بل بداية مرحلة جديدة من العمل والسعي.

ومع ذلك، أعود متسلحاً بالإيمان والصبر، مستعيناً بالله العليم بما في النفوس، ومؤمناً بأن الإنسان يستطيع أن يحافظ على صلته بوطنه، وأن يخدم أبناء مجتمعه، وأن يبقى وفياً لقيمه، أينما حل وارتحل.

إن الانتماء إلى المغرب لا يتوقف عند الحدود الجغرافية، ولا يتغير بتغيير عنوان السكن. فالوطن يسكن الذاكرة واللغة والتربية، ويسكن أيضاً المسؤولية تجاه الأسرة والمجتمع، والحرص على سمعة البلد وكرامة أبنائه.

الخطوط الملكية المغربية… أكثر من رحلة جوية

ومن بين التفاصيل التي أعتز بها في سفري، اختياري الخطوط الملكية المغربية. فهو اختيار أرتبط به شخصياً، وأفضله في رحلاتي، وأشعر معه بأنني أبدأ رحلة العودة إلى بلاد الإقامة من بوابة تحمل اسم وطني.

بالنسبة إليّ، ليست الطائرة مجرد وسيلة للنقل، بل هي جزء من تجربة السفر نفسها؛ من لحظة تسليم الأمتعة، إلى الإجراءات الإدارية، ثم الانتظار والصعود، وأخيراً لحظة الإقلاع التي تضع المسافر بين السماء والذاكرة.

وبحسب برنامج رحلتي، أنتظر الوصول إلى مطار بولونيا يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، قرابة الساعة الواحدة والنصف، بإذن الله، بعد استكمال إجراءات السفر والأمتعة.

وبعد الوصول، ينتظرني لقاء مرتبط بعملي الجديد واستئناف التزاماتي المهنية. إنها الحياة التي لا تتوقف، مهما كانت المشاعر التي يحملها الإنسان في داخله.

كلمة أخيرة: مصلحة الوطن فوق الجميع

أكتب هذه السطور لا من باب الشكوى، ولا طلباً للشفقة، بل باعتبارها شهادة شخصية عن جانب من حياة المواطن المهاجر؛ ذلك الإنسان الذي يفرح بلقاء أهله، ويتألم لفراقهم، ويقلق من تفاصيل السفر، ويواجه مسؤولياته، ثم يستمر في أداء واجبه.

وأكتبها أيضاً بصفتي مواطناً مغربياً شارك في استحقاق انتخابي، واحترم خصومه السياسيين، ولم يجعل اختلاف الرأي مبرراً للإساءة إلى أحد. فالوطن أكبر من الأحزاب، والديمقراطية أسمى من الخصومات، والكرامة الإنسانية لا ينبغي أن تتوقف عند حدود النتائج.

إلى أختي بمدينة الجديدة وأهلها، وإلى كل من التقيتهم في هذه الزيارة، أقول: شكراً على المحبة وحسن الاستقبال ودفء اللقاء.

وإلى ابنتي الغالية لالة خديجة: ستبقين في القلب أينما كنت، وستظل كلمة «بابا» من أجمل ما يحمله الأب معه في طريق العودة.

وإلى المغرب، وطني العزيز، أقول: قد أغادر أرضك، لكنني لا أغادر الانتماء إليك. أحمل همومك وآمالك، وأتمنى أن يرى أبناؤك مزيداً من الكرامة والعدالة الاجتماعية وفرص العيش الكريم.

أما أنا، فسأواصل طريقي بإذن الله، بين مسؤوليات الوطن والتزامات الغربة، مؤمناً بأن العمل الصادق، واحترام الإنسان، وخدمة المجتمع، تظل قيماً لا تتغير بتغير البلدان.

اللهم احفظ المغرب وأهله، واحفظ أبناءه وبناته في الداخل والخارج، ويسّر طريق المسافرين، واجمع شمل الأسر على الخير والمحبة والسلام  

                      اللهمّ أمين يا ربّ العالمين .

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.