الانتفاضة/ الحسين أُعيش (رئيس الجمعية الوطنية للمكفوفين بالمغرب)
يشكل تخصيص المرتكز السادس من البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031 لتعزيز حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة وإدماجهم خطوة تستحق القراءة والتحليل، ليس فقط من حيث القضايا التي يتناولها، وإنما أيضًا من حيث طبيعة الالتزامات التي يتضمنها، ومدى قدرتها على إحداث تحول فعلي في السياسات العمومية الموجهة لهذه الفئة.
فالحكومة تعلن اعتماد سياسة عمومية مندمجة، تستند إلى نتائج البحث الوطني الثالث حول الإعاقة، وتؤكد تبني مقاربة قائمة على الحقوق والاستقلالية والإدماج الاقتصادي والاجتماعي، مع تحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية، وتخفيف الأعباء التي تتحملها الأسر، وتعزيز المشاركة في إعداد البرامج وتتبعها وتقييمها.
غير أن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هو: هل نحن أمام انتقال فعلي من تدبير الإعاقة باعتبارها قضية اجتماعية إلى إعمال حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة باعتبارهم مواطنين كاملي الحقوق، أم أمام تطوير للبرامج والخدمات الاجتماعية دون استكمال الشروط القانونية والمؤسساتية والمالية الضرورية لضمان هذه الحقوق؟
من المقاربة الاجتماعية إلى المقاربة الحقوقية: أين يكمن الاختبار؟
لا يمكن إنكار أن البرنامج الحكومي يتضمن عناصر تتقاطع مع المقاربة الحقوقية، خصوصًا حين يتحدث عن الاستقلالية، والولوج الفعلي إلى الحقوق والخدمات، ومحاربة التمييز، وتعزيز المشاركة، وقياس النتائج على أساس جودة الحياة ومدى الاستفادة الفعلية من الخدمات.
وهذه عناصر مهمة، لأنها تعكس توجهًا يتجاوز الاكتفاء بالإعلان عن توفير الخدمات إلى الاهتمام بمدى وصول الأشخاص إليها وانتفاعهم بها.
لكن المقاربة الحقوقية لا تُقاس بالمصطلحات المستعملة في الوثائق الحكومية، وإنما بمدى انعكاسها على التشريعات والممارسات والميزانيات والقرارات الإدارية، وبمدى قدرة الأشخاص في وضعية إعاقة على المطالبة بحقوقهم والاحتجاج عند انتهاكها، والحصول على الإنصاف عند عدم احترامها.
فثمة فرق جوهري بين برنامج اجتماعي يقدم خدمات لفئة تعتبرها السياسات العمومية مستحقة للدعم، وسياسة حقوقية تجعل الدولة ملزمة بضمان الحقوق على أساس المساواة وعدم التمييز.
ولا يعني ذلك أن الرعاية الاجتماعية والحماية من الفقر وتخفيف الأعباء عن الأسر تتعارض مع المقاربة الحقوقية. بل إن هذه التدابير تشكل جزءًا أساسيًا منها، شريطة ألا تحل محل الحقوق في التعليم والتشغيل والتنقل والولوجيات والمشاركة السياسية والثقافية والاستقلالية في اتخاذ القرار.
ومن هذا المنطلق، فإن تقييم المرتكز السادس يقتضي الوقوف عند ما أعلنه من تدابير، وما لم يحدده من التزامات تنفيذية، وما يتعين استكماله لضمان الانتقال من النوايا المعلنة إلى الحقوق الممارسة.
أربعون سنة من الانتظار: هل تستمر حلقة تأجيل الحقوق؟
إن الإشكال الذي تترافع بشأنه الجمعية الوطنية للمكفوفين بالمغرب لا يرتبط بغياب القوانين والدراسات والتوصيات وحده، بل بالفجوة المستمرة بين الاعتراف القانوني بالحقوق وإعمالها على أرض الواقع.
فمنذ صدور القانون رقم 05.81 المتعلق بالرعاية الاجتماعية للمكفوفين وضعاف البصر، مرورًا بالتشريعات اللاحقة، وصولًا إلى القانون الإطار رقم 97.13 المتعلق بحماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة والنهوض بها، ظل التحدي الأساسي يتمثل في تحويل المقتضيات القانونية إلى التزامات عملية، من خلال استكمال النصوص التنظيمية والقرارات التطبيقية وتعبئة الموارد اللازمة للتنفيذ.
وقد راكم المغرب، على امتداد هذه العقود، تجارب ودراسات وأبحاثًا وتوصيات ومبادرات تشريعية ومؤسساتية. غير أن تراكم هذه العناصر لم يؤدِّ، بالقدر المطلوب، إلى إنهاء الاختلالات التي تحول دون التمتع الفعلي بالحقوق.
ومن هنا، فإن البرنامج الحكومي الجديد لا ينبغي أن يتحول إلى حلقة أخرى في مسلسل إعداد البرامج والإعلان عن التوجهات، بينما تستمر الحقوق في انتظار النصوص والإجراءات التي تجعلها قابلة للتنفيذ.
إن المطلوب هو وضع جدول زمني واضح لاستكمال النصوص التنظيمية المتبقية، وتحديد القطاعات المسؤولة عن إصدارها، وضمان التنسيق بينها، وربط التنفيذ بالاعتمادات المالية والموارد البشرية الضرورية.
فلا معنى للاعتراف بحق قانوني إذا ظل استعماله متوقفًا على قرار لم يصدر، أو إجراء إداري لم يستكمل، أو خدمة لا تتوفر لها الإمكانات اللازمة.
بطاقة الشخص في وضعية إعاقة: من الاعتراف القانوني إلى الاستفادة الفعلية
يشكل ملف بطاقة الشخص في وضعية إعاقة أحد الاختبارات العملية الأكثر دلالة على مدى جدية الانتقال من الالتزام المعلن إلى التنفيذ.
فقد صدر المرسوم رقم 2.22.1075 المتعلق بمنح هذه البطاقة، لكن صدور المرسوم لا يعني، في حد ذاته، اكتمال شروط تفعيل المنظومة المرتبطة به، بما تتطلبه من قرارات مشتركة ومعايير للتقييم، ولجان مختصة، ومنصة لتلقي الطلبات ومعالجتها، وتحديد واضح للخدمات والامتيازات المرتبطة بالبطاقة.
والمثير للانتباه أن المرتكز السادس، رغم تفصيله لمجموعة من التدابير المتعلقة بالصحة والتشغيل والحماية الاجتماعية والتجهيزات المساعدة، لا يتضمن التزامًا صريحًا ومستقلًا يحدد أجلًا زمنيًا لإخراج البطاقة إلى حيز التنفيذ الفعلي، وتعميم الاستفادة منها، وتوفير الموارد اللازمة لذلك.
وهنا تبرز المفارقة: كيف يمكن الحديث عن تحسين الولوج الفعلي إلى الحقوق والخدمات، بينما تظل إحدى الأدوات التي يفترض أن تسهم في تنظيم الاستفادة من الحقوق والامتيازات في حاجة إلى استكمال شروط تشغيلها؟
إن الجمعية الوطنية للمكفوفين بالمغرب تعتبر أن تفعيل البطاقة ينبغي أن يحتل موقعًا واضحًا ضمن الالتزامات الحكومية، مع تحديد آجال مضبوطة، وإعلان مراحل التنفيذ، وتوضيح الخدمات والامتيازات المستهدفة، وآليات التنسيق بين القطاعات المعنية.
فالبطاقة ليست غاية إدارية في حد ذاتها، وإنما وسيلة ينبغي أن تترجم إلى استفادة ملموسة من الحقوق والخدمات، وألا تتحول إلى وثيقة جديدة تضاف إلى أرشيف الوثائق الرسمية دون أثر فعلي في حياة أصحابها.
نتائج البحث الوطني الثالث: من الأرقام إلى السياسات العمومية
يستند البرنامج الحكومي إلى نتائج البحث الوطني الثالث حول الإعاقة لسنة 2026، الذي أظهر بلوغ معدل انتشار الإعاقة 8.7 في المائة، منها 2.3 في المائة إعاقات شديدة، وامتداد أثر الإعاقة إلى نحو 29 في المائة من الأسر المغربية.
وتكتسي هذه المعطيات أهمية كبيرة، لأنها تقدم قاعدة معرفية لتحديد حجم الاحتياجات، وتوجيه الموارد، وتقييم الفوارق بين الفئات والمجالات الترابية.
كما أن اعتراف البرنامج بأهمية الانتقال من قياس عدد المستفيدين والخدمات المقدمة إلى قياس الولوج الفعلي إلى الحقوق والاستقلالية والتمدرس والإدماج المهني وجودة الحياة يمثل توجهًا يستحق التثمين من حيث المبدأ.
لكن التحدي يبدأ بعد نشر الأرقام، لا عند نشرها.
فالمعطيات الإحصائية لا تصبح سياسة عمومية بمجرد إدراجها في البرنامج الحكومي، وإنما عندما تتحول إلى أهداف محددة، وبرامج ممولة، ومؤشرات قابلة للقياس، وآجال للتنفيذ، ومسؤوليات مؤسساتية واضحة.
وهو ما يستدعي إعداد خطة عمل وطنية لتنزيل نتائج البحث، تتضمن تشخيصًا للاختلالات حسب نوع الإعاقة ودرجتها والسن والجنس والمجال الترابي، وتحدد التدخلات ذات الأولوية، والميزانيات المخصصة لها، والجهات المكلفة بتنفيذها، وآليات التقييم والمساءلة.
كما ينبغي أن تشمل هذه الخطة معالجة الاختلالات التي تواجه الأشخاص المكفوفين وضعاف البصر، في التعليم الدامج، والولوج إلى المعلومات والخدمات الرقمية، والتشغيل، والتنقل والولوجيات، والاستفادة من التكنولوجيا المساعدة.
فالمطلوب ليس أن تظل نتائج البحث مرجعًا إحصائيًا تستحضره الحكومة عند تقديم برامجها، بل أن تصبح أساسًا لتغيير السياسات والقرارات والاعتمادات المالية.
التعليم الدامج: بين ضمان الحق والعودة إلى منطق المسارات المنفصلة
يتضمن البرنامج الحكومي توجهًا يرمي إلى تعزيز التمدرس والتكوين والإدماج الاقتصادي والمهني، لكنه يميز بين الأطفال الذين تسمح وضعيتهم بالإدماج داخل الأقسام والمؤسسات التعليمية، والحالات التي تتطلب تأطيرًا وتكفلًا متخصصًا ومسارات تعليمية وتأهيلية ملائمة.
ويطرح هذا التمييز سؤالًا حقوقيًا أساسيًا: ما المعايير التي ستعتمد لتحديد المسار التعليمي لكل طفل؟ ومن سيقرر أن وضعية طفل معين تسمح بالإدماج داخل المؤسسات التعليمية العادية أو تستدعي توجيهه إلى مسار متخصص؟ وما الضمانات التي ستحول دون تحول هذا التصنيف إلى وسيلة للإقصاء؟
إن التعليم الدامج لا يقوم على مجرد السماح لبعض الأطفال بالتمدرس داخل الأقسام العادية، بل على تهيئة المؤسسات، وتوفير الترتيبات التيسيرية المعقولة، والوسائل التعليمية الملائمة، والموارد البشرية المؤهلة، وإزالة الحواجز التي تمنع المشاركة الكاملة والفعالة.
كما أن توفير خدمات متخصصة قد يكون ضروريًا لتلبية احتياجات فردية محددة، لكنه ينبغي ألا يتحول إلى مبرر تلقائي لاستبعاد الأطفال من التعليم الدامج أو حرمانهم من فرص التعلم المتكافئة.
وتزداد أهمية هذه المسألة بالنسبة إلى الأطفال المكفوفين وضعاف البصر، الذين يحتاجون إلى توفير الكتب والموارد التعليمية في صيغ ميسرة، والوسائل التكنولوجية المساعدة، والتكوين الملائم للأطر التربوية، وضمان استقلاليتهم داخل المؤسسات التعليمية.
لذلك، فإن نجاح التوجه الحكومي في هذا المجال يقتضي الانتقال من الإعلان عن مسارات تعليمية مختلفة إلى وضع ضمانات واضحة تمنع التمييز، وتكفل لكل طفل الحق في تعليم ذي جودة، على أساس المساواة وتكافؤ الفرص.
الحماية الاجتماعية وتخفيف الأعباء: ضرورة التكامل مع الحقوق
يخصص البرنامج مساحة مهمة لتخفيف الأعباء الاقتصادية والاجتماعية للإعاقة عن الأسر، من خلال تطوير التغطية الصحية، والتكفل بالخدمات والأدوية والتجهيزات، وتوسيع خدمات الرعاية والمواكبة.
وتكتسي هذه التدابير أهمية خاصة، بالنظر إلى التكاليف الإضافية التي تتحملها الأسر في مجالات العلاج والتأهيل والتنقل والمساعدة اليومية.
غير أن نجاح هذا التوجه يقتضي تحديد سلة الخدمات التي ستشملها التغطية، وشروط الاستفادة منها، ونسب التكفل، وآليات تجديد الأجهزة المساعدة وصيانتها، والموارد المالية التي ستخصص لذلك.
كما أن النص على التكفل الكامل بتكاليف خدمات معينة من طرف الهيئات المدبرة للتأمين الإجباري عن المرض يطرح ضرورة توضيح كيفية التنزيل العملي لهذا الالتزام، ومدى انسجامه مع الأنظمة المعمول بها، والآليات التي ستضمن استفادة المعنيين دون عراقيل إدارية أو مالية.
أما الدعم الاجتماعي المباشر، فلا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره بديلًا عن الحق في الشغل والتعليم والتنقل والاستقلالية، بل باعتباره أحد مكونات الحماية الاجتماعية المتكاملة.
فالغاية ليست فقط تخفيف آثار الإعاقة على الأسر، وإنما أيضًا إزالة الحواجز التي تحول دون مشاركة الأشخاص في وضعية إعاقة في المجتمع، وتمكينهم من ممارسة حقوقهم باستقلالية وكرامة.
التشغيل والولوجيات: أين الالتزامات القابلة للقياس؟
يتحدث البرنامج عن دعم التشغيل الذاتي وريادة الأعمال، وتشجيع المشغلين على توفير الترتيبات الملائمة، وتخصيص حصة من التحويلات العمومية الموجهة لدعم المشاريع والمقاولات لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة.
وهي توجهات يمكن أن تسهم في تعزيز الاستقلالية الاقتصادية، لكنها تظل بحاجة إلى تحديد شروط الاستفادة، وحجم الموارد المخصصة، والفئات المستهدفة، ومؤشرات قياس النتائج.
كما أن الإدماج المهني لا يمكن اختزاله في إنشاء مشاريع فردية أو أنشطة مدرة للدخل، بل يستلزم أيضًا تفعيل المقتضيات المتعلقة بتكافؤ الفرص في التوظيف، واحترام الحصص القانونية المقررة، وتوفير الترتيبات التيسيرية داخل أماكن العمل، ومراقبة مدى احترام المشغلين لالتزاماتهم.
وفي مجال الولوجيات، يؤكد البرنامج ضرورة تسريع تهيئة المرافق والفضاءات العمومية ووسائل النقل والمنصات الرقمية، وإدماج التصميم الشامل في البرامج والاستثمارات العمومية.
لكن هذا الالتزام يحتاج بدوره إلى برنامج تنفيذي يحدد الأولويات والمعايير التقنية، والآجال، والاعتمادات المالية، والجهات المكلفة بالمراقبة، والجزاءات أو التدابير التصحيحية عند عدم احترام الالتزامات.
فالولوجيات ليست امتيازًا إضافيًا، وإنما شرط أساسي للتمتع بحقوق أخرى، من قبيل التعليم والعمل والصحة والمشاركة في الحياة العامة.
الحكامة: هل يكفي التنسيق القطاعي دون آلية وطنية فعالة؟
من أبرز ما يثير الانتباه في المرتكز السادس تأكيد الحكومة أهمية التنسيق بين القطاعات، وإشراك الأشخاص في وضعية إعاقة وأسرهم في بلورة البرامج وتتبعها وتقييمها.
غير أن تعدد القطاعات المعنية بالإعاقة يجعل التنسيق مسألة مؤسساتية لا يمكن تركها للمبادرات الظرفية أو التفاهمات الإدارية غير الملزمة.
فالصحة والتعليم والتشغيل والتكوين والنقل والتجهيز والحماية الاجتماعية قطاعات تتقاطع مسؤولياتها، وقد يؤدي غياب آلية فعالة لتنسيق تدخلاتها إلى تشتت البرامج، وتداخل الاختصاصات، وضعف المسؤولية عن النتائج.
ومن هنا، تدعو الجمعية الوطنية للمكفوفين بالمغرب إلى تفعيل اللجنة الوزارية المكلفة بقضايا الإعاقة، باعتبارها آلية للتنسيق الحكومي وضمان الالتقائية والإنصاف بين القطاعات، وتحديد المسؤوليات، وتتبع تنفيذ الالتزامات.
كما تبرز الحاجة إلى إرساء إطار وطني مؤسساتي للتشاور والمشاركة، يضم القطاعات الحكومية المعنية والأشخاص في وضعية إعاقة وجمعياتهم التمثيلية، بما يضمن حضورهم الفعلي في إعداد السياسات العمومية وتحديد الأولويات وتقييم النتائج.
ولا ينبغي أن تقتصر المشاركة على الاستماع إلى الجمعيات أو دعوتها إلى لقاءات تشاورية، بل يجب أن تمتد إلى مراحل إعداد البرامج، وتتبع تنفيذها، والاطلاع على مؤشرات التقدم، وتقديم الملاحظات بشأن الاختلالات.
فالحكامة الحقوقية لا تتحقق بمجرد الإعلان عن المشاركة، وإنما بتمكين المعنيين من آليات منتظمة وفعالة للتأثير في القرارات التي تخص حقوقهم ومستقبلهم.
ما الذي ينبغي استكماله في البرنامج الحكومي؟
إن المقارنة بين توجهات الحكومة والمطالب التي تترافع بشأنها الجمعية الوطنية للمكفوفين بالمغرب تكشف عن وجود مساحات واضحة للتقاطع، خاصة في مجالات الولوج إلى الحقوق والخدمات، والإدماج الاقتصادي، وتخفيف الأعباء عن الأسر، ومحاربة التمييز، والاعتماد على المعطيات، وتعزيز المشاركة.
لكن هذا التقاطع لا يعني أن المطالب الحقوقية قد أُدرجت جميعها في صورة التزامات حكومية قابلة للتنفيذ.
فالبرنامج، كما ورد في النص المعروض، لا يحدد آجالًا زمنية دقيقة لاستكمال النصوص التنظيمية المتبقية، ولا يقدم جدولًا صريحًا لتفعيل بطاقة الشخص في وضعية إعاقة، ولا يحدد ميزانيات مفصلة لكل محور، ولا يبين آليات المساءلة عن عدم التنفيذ.
كما لا يتضمن النص المعروض تحديدًا صريحًا لنسبة 85% أو بيانًا للمقصود بها، ولذلك يتعين توضيح السياق الذي ترتبط به هذه النسبة قبل اعتبارها التزامًا حكوميًا أو معيارًا لتقييم البرنامج.
ومن ثم، فإن استكمال هذا التوجه يقتضي تحويل المرتكز السادس إلى خطة تنفيذية وطنية تتضمن، على الأقل:
* استكمال النصوص التنظيمية والقرارات التطبيقية المتعلقة بالقوانين الجاري بها العمل، وفق جدول زمني معلن.
* تحديد أجل واضح لتفعيل بطاقة الشخص في وضعية إعاقة، وتوفير شروط الاستفادة الفعلية منها.
* تحويل نتائج البحث الوطني الثالث إلى برامج عمومية ممولة، بأهداف ومؤشرات وآجال قابلة للتقييم.
* تحديد الاعتمادات المالية والموارد البشرية المخصصة لكل محور، وتوضيح مسؤوليات القطاعات الحكومية المعنية.
* تفعيل اللجنة الوزارية المكلفة بقضايا الإعاقة، وإرساء إطار وطني دائم للمشاركة والتشاور مع الجمعيات التمثيلية.
* وضع مؤشرات واضحة لقياس مدى احترام الحقوق، والحد من التمييز، وتحسين الولوجيات، وضمان التعليم والتشغيل والحماية الاجتماعية.
* نشر تقارير دورية حول تقدم التنفيذ، والصعوبات المسجلة، والإجراءات التصحيحية المتخذة.
الخلاصة: من الوعود إلى قابلية الحقوق للتنفيذ
إن المرتكز السادس من البرنامج الحكومي 2026-2031 يتضمن توجهات تلتقي في جوانب مهمة مع الرؤية التي تدافع عنها الجمعية الوطنية للمكفوفين بالمغرب، كما يتضمن اعترافًا بأهمية المقاربة الحقوقية والاستقلالية والمشاركة والولوج الفعلي إلى الخدمات.
لكن الحكم على مدى تحقق هذا التقاطع يظل مرتبطًا بما ستعتمده الحكومة من إجراءات تنفيذية، وبمدى قدرتها على استكمال البناء القانوني والتنظيمي، وتعبئة الموارد المالية والبشرية، وإرساء حكامة مؤسساتية تضمن التنسيق والمساءلة.
فالمطلوب ليس الاختيار بين الرعاية الاجتماعية والمقاربة الحقوقية، وإنما بناء سياسة عمومية تجعل الحماية الاجتماعية وسيلة لضمان الحقوق، وتجعل البرامج والخدمات أدوات لإزالة الحواجز وتحقيق المساواة والاستقلالية.
وبالنسبة إلى الجمعية الوطنية للمكفوفين بالمغرب، فإن الموقف من البرنامج الحكومي ينبغي أن ينطلق من معيار واضح: لا يكفي أن تتضمن الوثائق الرسمية التزامات بشأن حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، بل يجب أن تحدد كيف ستنفذ، ومتى ستنفذ، وبأي موارد، ومن يتحمل مسؤولية تنفيذها، وكيف سيُقاس أثرها على حياة المعنيين.
لقد طال انتظار الحقوق، ولم يعد مقبولًا أن يستمر الانتقال من قانون إلى مرسوم، ومن مرسوم إلى قرار مشترك، ومن قرار إلى إجراء إداري، دون أن يصل أثر هذه السلسلة إلى المواطن المعني.
إن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال من تدبير الملفات إلى إعمال الحقوق، ومن تعدد البرامج إلى وحدة الرؤية، ومن الوعود العامة إلى الالتزامات المحددة القابلة للتنفيذ والمساءلة.