الانتفاضة/ إبراهيم السروت
تجد رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، نفسها اليوم أمام محطة سياسية مهمة، عنوانها العريض هو الانتقال من الوعود الانتخابية إلى الالتزامات العملية، ومن الخطاب السياسي إلى معالجة المشاكل الحقيقية التي يعيشها المواطن المغربي في حياته اليومية.
إن التدخل داخل البرلمان لا ينبغي أن يُقرأ فقط من زاوية التجاذبات السياسية بين الأغلبية والمعارضة، بل يجب أن يُنظر إليه باعتباره مناسبة لطرح الأسئلة التي ينتظر المواطنون أجوبة واضحة عنها، وفي مقدمتها التشغيل، والصحة، والتعليم، والقدرة الشرائية، والتنمية القروية، ومحاربة الفوارق الاجتماعية والمجالية.
المجتمع المدني في مواجهة انتظارات المجتمع السياسي
لقد أصبح المجتمع المدني، بمختلف مكوناته وجمعياته وفعالياته المحلية، طرفاً أساسياً في إثارة القضايا التي تهم المواطنين، خصوصاً في المناطق القروية والجبلية التي ما زالت تعاني من صعوبات الولوج إلى الخدمات الأساسية، وضعف البنيات التحتية، وتأخر بعض المشاريع التنموية.
وفي المقابل، يتحمل المجتمع السياسي، من أحزاب ومنتخبين ومسؤولين حكوميين، مسؤولية الإنصات لهذه المطالب والتفاعل معها بجدية، بعيداً عن الحسابات الانتخابية الضيقة.
فالمواطن الذي يستقبل المرشحين خلال الحملات الانتخابية ويستمع إلى وعودهم بشأن إصلاح الطرق، وتحسين المستشفيات والمدارس، وتوفير فرص الشغل، ينتظر بعد انتهاء الانتخابات أن تتحول تلك الوعود إلى مشاريع ملموسة، لا أن تبقى مجرد شعارات تتكرر مع كل استحقاق انتخابي.
هل تنتهي الوعود بانتهاء الحملة الانتخابية؟
إن السؤال المطروح اليوم أمام حكومة فاطمة الزهراء المنصوري هو: كيف يمكن إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات السياسية؟
فخلال تقديم البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031 أمام البرلمان، أكدت رئيسة الحكومة أن مسؤولية الحكومة ستُقاس بالنتائج التي يلمسها المواطن في حياته اليومية، مع التشديد على تحسين الخدمات العمومية وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية. وهي التزامات تستدعي المتابعة والتقييم والمحاسبة على أساس النتائج الفعلية.
لكن المجتمع المدني والرأي العام ينتظران معرفة الآجال المحددة لتنفيذ هذه الالتزامات، والميزانيات المرصودة لها، والجهات المسؤولة عن إنجازها، وآليات مراقبة تنفيذها.
البرلمان ليس منصة للخطابات فقط
إن البرلمان، باعتباره مؤسسة للتشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية، مطالب بأن يجعل من قضايا المواطنين محوراً أساسياً لنقاشاته. كما أن المعارضة مطالبة بممارسة دورها الرقابي، والأغلبية مطالبة بتوضيح كيفية تنزيل البرنامج الحكومي، فيما يبقى المجتمع المدني شريكاً في اقتراح الحلول وتتبع المشاريع والترافع عن الفئات المتضررة.
إن المرحلة الراهنة تفرض تجاوز الخلافات الشكلية بين الفاعلين السياسيين والمدنيين، والبحث عن أرضية مشتركة تخدم الصالح العام، مع احترام الأدوار الدستورية لكل طرف.
وفي نهاية المطاف، لن تكون قيمة أي تدخل برلماني في قوة عباراته أو حدة النقاشات التي يثيرها، بل في قدرته على فتح الطريق أمام حلول عملية للمشاكل المطروحة.
فالمواطن المغربي لا ينتظر وعوداً جديدة بقدر ما ينتظر نتائج واضحة، ولا يريد أن تبقى التنمية حاضرة في الخطابات وغائبة عن واقعه اليومي. وبين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، تظل المسؤولية المشتركة هي تحويل مطالب المواطنين إلى قرارات وبرامج قابلة للتنفيذ، لأن الثقة لا تُبنى بالكلام وحده، وإنما بالعمل والإنجاز والمحاسبة.