الانتفاضة/ الأستاذ خالد الفتاوي (محام بهيئة مراكش)
السيد النقيب الأستاذ زياني،
رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب،
السادة النقباء وأعضاء مكاتب الهيئات،
الزميلات والزملاء المحامون،
تحية تقدير واحترام،
أكتب إليكم اليوم انطلاقاً من قناعة راسخة بأن المرحلة التي تمر منها مهنتنا تقتضي منا جميعاً قدراً كبيراً من الحكمة والشجاعة والمسؤولية.
إن معركة المحامين من أجل استقلال المهنة، وصون حقوق الدفاع، وضمان شروط ممارسة مهنية كريمة، وترسيخ العدالة والإنصاف هي معركة مشروعة، ولا ينبغي أن يتنازل عنها أي محامٍ مؤمن برسالته وبمكانة المحاماة داخل دولة الحق والقانون.
ولكن الدفاع عن هذه المبادئ لا يعني بالضرورة أن نستمر في وسيلة واحدة إلى ما لا نهاية.
ومن هذا المنطلق، أتوجه إليكم، السيد النقيب، وإلى جميع الزميلات والزملاء، بدعوة صريحة إلى اتخاذ قرار تاريخي ومسؤول يتمثل في الإعلان، في أقرب وقت، عن إنهاء التوقف عن تقديم الخدمات المهنية والعودة إلى المكاتب والمحاكم.
إن العودة إلى المحاكم ليست هزيمة، وليست تراجعاً عن مطالب المحامين، وليست تنازلاً عن حقوقنا.
بل على العكس من ذلك، يمكن أن تكون تعبيراً عن نضج مهني وسياسي، وعن قدرة الجسم المهني على الانتقال من مرحلة الاحتجاج إلى مرحلة جديدة من النضال المؤسساتي والقانوني.
فالعودة إلى المحاكم ستعيد للمحامي مكانه الطبيعي، وستحمي مصالح المتقاضين وحقوق الدفاع، وستحافظ على صورة المحاماة باعتبارها شريكاً أساسياً في إقامة العدل.
وفي الوقت نفسه، فإن المعركة من أجل إصلاح الإطار القانوني المنظم للمهنة لن تتوقف.
بل ينبغي أن تنتقل إلى ساحات أخرى أكثر تأثيراً واستدامة.
إننا نستطيع، بالتوازي مع العودة إلى العمل، أن نواصل الضغط المهني والمؤسساتي من خلال:
* تنظيم الندوات والمؤتمرات الوطنية والدولية؛
* إعداد الدراسات والمذكرات القانونية والاقتراحات التشريعية؛
* فتح حوار جاد ومسؤول مع مختلف المؤسسات المعنية؛
* التواصل مع الفاعلين السياسيين والبرلمانيين؛
* تعزيز العمل الترافعي Lobbying المشروع والشفاف؛
* الاستعداد للتفاعل مع البرلمان المقبل من أجل الدفاع عن التعديلات التي نراها ضرورية؛
* تعبئة الرأي العام المهني والحقوقي حول استقلال المحاماة وحقوق الدفاع؛
* وتقديم بدائل تشريعية واضحة بدل الاكتفاء برفض النصوص.
السيد النقيب،
إن وحدة المحامين اليوم أغلى من أي خلاف، وأهم من أي موقع، وأقوى من أي ظرف عابر.
ولذلك، فإنني أرى أن استمرار التوقف لفترة أطول قد يؤدي، من حيث لا نريد، إلى إنهاك الجسم المهني وإضعاف وحدته، في الوقت الذي نحتاج فيه إلى توحيد الصفوف والاستعداد للمرحلة السياسية والتشريعية المقبلة.
أما العودة إلى المحاكم، مع استمرار النضال بوسائل أخرى، فإنها ستبعث برسالة قوية مفادها أن المحامين لا يتخلون عن مطالبهم، ولكنهم يعرفون متى يغيرون أدوات نضالهم حفاظاً على مهنتهم ووحدتهم ورسالتهم.
إنني أدعوكم، السيد النقيب، إلى تحمل مسؤولية هذه اللحظة التاريخية، واتخاذ المبادرة والدعوة إلى إنهاء الإضراب والتوقف عن الخدمات المهنية فوراً، والعودة إلى المحاكم والمكاتب، مع الإعلان في الوقت نفسه عن برنامج وطني جديد للنضال المهني والمؤسساتي.
ولنجعل من المرحلة المقبلة مرحلة حوار وضغط واقتراح وترافع، استعداداً للبرلمان المقبل، حتى نتمكن من الدفاع عن رؤيتنا للإصلاح من داخل المؤسسات وبكل الوسائل القانونية والمشروعة.
إن المحاماة المغربية لا تحتاج إلى معركة تستنزفها، وإنما تحتاج إلى معركة توحدها.
ولا نريد أن نخرج من هذه المرحلة منتصرين على بعضنا البعض، وإنما نريد أن نخرج منها موحدين، أقوياء، وأكثر قدرة على الدفاع عن استقلال مهنتنا وحقوق المتقاضين وسيادة القانون.
إن العودة إلى المحاكم اليوم يمكن أن تكون بداية لمرحلة جديدة، وليست نهاية للمعركة.
نعود إلى المحاكم، ولكن لا نتخلى عن مطالبنا.
نعود إلى العمل، ولكن نستمر في النضال.
نحافظ على وحدتنا، ونواصل الضغط بكل الوسائل المشروعة.
ونترك للبرلمان المقبل مسؤولية استكمال النقاش التشريعي حول مستقبل مهنتنا.
إنها دعوة إلى الحكمة، وليست دعوة إلى الاستسلام.
إنها دعوة إلى المسؤولية، وليست تراجعاً.
إنها دعوة إلى العدالة والإنصاف واستقلال المحاماة وسيادة القانون.
وتفضلوا، السيد النقيب، والزميلات والزملاء، بقبول فائق التقدير والاحترام.