الجمعية المغربية لحقوق الإنسان تراسل مسؤولين بشأن معاناة مهنيي سوق السمك بمراكش

0

الانتفاضة/ سلامة السروت

أثارت الشروط الجديدة المعتمدة للولوج إلى سوق السمك بالجملة بمدينة مراكش موجة من القلق والاستياء في أوساط المهنيين، بعدما اعتبر عدد منهم أن الإجراءات التنظيمية الجديدة، رغم ما تحمله من أهداف تتعلق بتأهيل القطاع وضمان الشفافية وتحسين شروط السلامة الصحية، قد تتحول إلى عائق حقيقي أمام استمرار مئات العاملين في مزاولة نشاطهم اليومي، خاصة صغار التجار وباعة التقسيط ونصف الجملة الذين يعتمدون على هذا النشاط كمصدر رئيسي لإعالة أسرهم. وفي هذا السياق، وجهت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فرع المنارة بمراكش، مراسلة إلى كل من وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، ووالي جهة مراكش آسفي، والمندوب الجهوي لوزارة الفلاحة والصيد البحري، ورئيسة المجلس الجماعي لمراكش، والمدير الجهوي للمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، دعت فيها إلى مراجعة طريقة تنزيل هذه الإجراءات بما يضمن تحقيق التوازن بين متطلبات التنظيم وحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمهنيين.

وأكدت الجمعية في مراسلتها أنها لا تعارض مبدأ تنظيم قطاع تجارة السمك بالجملة، بل تعتبر أن تحديث آليات الاشتغال وتعزيز الشفافية واحترام المعايير الصحية يشكل خطوة إيجابية من شأنها حماية المستهلك وتطوير القطاع ورفع جودة الخدمات المقدمة داخله. غير أنها شددت في المقابل على أن أي إصلاح إداري أو تنظيمي ينبغي أن يراعي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للعاملين، وأن يتم تنزيله بطريقة تدريجية تراعي واقع المهنة وتعقيداتها، بدل فرض شروط قد يصعب على عدد كبير من المهنيين استيفاؤها في وقت وجيز.

وترى الجمعية أن فرض وثائق جديدة كشرط لمزاولة النشاط داخل السوق قد يؤدي إلى إقصاء مهنيين راكموا سنوات طويلة من الخبرة في هذا المجال دون أن تتاح لهم سابقا فرصة تسوية أوضاعهم الإدارية. ويهم الأمر، على وجه الخصوص، فئات واسعة من صغار التجار وباعة التقسيط ونصف الجملة والعمال الذين ظلوا يشتغلون داخل السوق بشكل مستمر، معتمدين على هذا النشاط في توفير لقمة العيش لأسرهم، وهو ما يجعل أي قرار يحرمهم من الولوج إلى السوق بمثابة تهديد مباشر لاستقرارهم الاجتماعي والاقتصادي.

كما سلطت المراسلة الضوء على الإكراهات العملية التي بدأت تظهر مع تطبيق الإجراءات الجديدة، خاصة ما يتعلق بمحدودية عدد أبواب الولوج إلى السوق، الأمر الذي يؤدي إلى اكتظاظ كبير وتأخير في عملية الدخول والخروج، ويؤثر سلبا على السير العادي للنشاط التجاري. وتزداد هذه الصعوبات بالنسبة للمهنيين القادمين من مدن بعيدة مثل دمنات وقلعة السراغنة وغيرها، حيث يضطرون إلى الانتظار لساعات طويلة قبل الولوج إلى السوق، وهو ما يؤخر عودتهم إلى أسواقهم المحلية ويؤثر على جودة المنتوجات البحرية، باعتبار أن السمك من المواد القابلة للتلف السريع والتي تتطلب سرعة في النقل والتوزيع لضمان سلامتها وجودتها.

وترى الجمعية أن استمرار هذا الوضع قد ينعكس بشكل مباشر على المستهلك أيضا، من خلال تأخر وصول المنتوجات إلى الأسواق المحلية، وارتفاع تكاليف النقل والتوزيع، وما قد يترتب عن ذلك من ارتفاع في الأسعار أو تراجع في جودة بعض المنتجات المعروضة للبيع، وهو ما يجعل تداعيات الإجراءات الجديدة تتجاوز المهنيين لتشمل مختلف حلقات سلسلة توزيع وتسويق المنتجات البحرية.

واستندت الجمعية في موقفها إلى المرجعية الدستورية والحقوقية، معتبرة أن الحق في العمل الكريم يعد من الحقوق الأساسية التي يكفلها الدستور المغربي، لاسيما مقتضيات الفصل 31 الذي ينص على تعبئة الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية لكل الوسائل المتاحة لتيسير أسباب استفادة المواطنين من الحق في الشغل، والفصل 35 الذي يكرس حرية المبادرة والمقاولة في إطار القانون. كما أشارت إلى أن المغرب صادق على عدد من الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي يؤكد على ضرورة حماية الحق في العمل واتخاذ التدابير الكفيلة بضمان ممارسته دون تمييز أو إقصاء.

وانطلاقا من هذه المرجعيات، دعت الجمعية وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، إلى جانب المندوبية الجهوية للوزارة، إلى اعتماد فترة انتقالية معقولة تسمح لجميع العاملين بتسوية أوضاعهم الإدارية واستكمال الوثائق المطلوبة، مع توفير المواكبة الإدارية والتقنية اللازمة بدل الاقتصار على فرض الشروط الجديدة بشكل فوري، بما يضمن تحقيق أهداف الإصلاح دون الإضرار بمصالح المهنيين.

كما طالبت والي جهة مراكش آسفي بالسهر على أن يتم تطبيق الإجراءات الجديدة بشكل تدريجي ومتوازن، مع مراعاة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للعاملين داخل السوق، ومراقبة الطاقة الاستيعابية لمداخل السوق واتخاذ التدابير الكفيلة بتخفيف الضغط وضمان انسيابية الولوج، بما يحفظ النظام ويصون في الوقت نفسه مصالح المهنيين.

ولم تغفل الجمعية دور المجلس الجماعي لمراكش باعتباره الجهة المشرفة على تدبير هذا المرفق الحيوي، حيث دعت إلى فتح عدد أكبر من أبواب الولوج إلى السوق، وإعادة تنظيم عملية الدخول والخروج بما يحد من الاكتظاظ، فضلا عن تخصيص مسارات خاصة للمهنيين القادمين من المدن البعيدة، وإشراك ممثلي التجار والمهنيين في أي قرارات تنظيمية مستقبلية تخص السوق، انسجاما مع مبادئ الحكامة التشاركية التي نص عليها دستور المملكة.

وفي السياق نفسه، طالبت المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية بتبسيط وتسريع إجراءات الحصول على البطاقات الصحية المطلوبة، مع تقريب الخدمات الإدارية من المهنيين من خلال توفير مكاتب أو وحدات متنقلة لتلقي الطلبات وإنجاز الوثائق في آجال معقولة، بما يساهم في تفادي تعطيل النشاط التجاري وضمان احترام الضوابط الصحية دون تعقيدات إدارية.

وتؤكد الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فرع المنارة بمراكش، أن تنظيم قطاع تجارة السمك بالجملة يظل هدفا مشتركا يخدم المصلحة العامة، غير أن نجاح أي إصلاح يظل رهينا بمدى قدرته على التوفيق بين متطلبات التنظيم والشفافية من جهة، واحترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمهنيين من جهة أخرى. وترى أن الحوار والتشاور مع مختلف المتدخلين واعتماد مقاربة تدريجية وإنسانية كفيلان بتحقيق الإصلاح المنشود دون المساس باستقرار مئات الأسر التي تعتمد بشكل مباشر على هذا النشاط، بما يضمن استمرارية المرفق، ويحافظ على حقوق العاملين، ويعزز ثقة المهنيين في المؤسسات، ويحقق في الآن ذاته الأهداف المرتبطة بحماية المستهلك والارتقاء بجودة وسلامة المنتجات البحرية المتداولة داخل سوق السمك بالجملة بمدينة مراكش.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.