الانتفاضة/ ابراهيم أكرام
أثارت واقعة تأجيل انعقاد الدورة العادية لشهر يونيو للمجلس الإقليمي للرحامنة العديد من التساؤلات حول واقع الأغلبية المسيرة للمجلس ومستوى الانسجام بين مكوناتها، خاصة بعد تعذر عقد الجلسة المبرمجة صباح يوم الإثنين 8 يونيو بمدينة ابن جرير بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني. فقد وجد رئيس المجلس الإقليمي، محمد صلاح الخير، نفسه مضطرا إلى رفع أشغال الدورة وتأجيلها إلى موعد لاحق وفق المقتضيات القانونية المعمول بها، وذلك عقب تسجيل غياب 12 عضوا من أعضاء المجلس، وهو رقم اعتبره عدد من المتابعين مؤشرا يستحق التوقف عنده بالنظر إلى حساسية المرحلة التي يمر منها تدبير الشأن المحلي بالإقليم.
ويأتي هذا التطور في سياق سياسي محلي يتسم بمتابعة دقيقة لأداء المؤسسات المنتخبة ومدى قدرتها على الاستجابة لانتظارات المواطنين، خصوصا في ظل التحديات التنموية التي تواجه مختلف الجماعات الترابية. ورغم أن حالات عدم اكتمال النصاب القانوني ليست أمرا غير مسبوق داخل المجالس المنتخبة، فإن تزامنها مع حديث متزايد عن وجود تباينات داخل الأغلبية المسيرة للمجلس الإقليمي للرحامنة منح الواقعة أبعادا سياسية تتجاوز الجانب الإجرائي المرتبط بتأجيل دورة عادية.
ويعتبر المجلس الإقليمي للرحامنة من بين المؤسسات الترابية التي تضطلع بأدوار مهمة في دعم التنمية المحلية والمساهمة في تنزيل عدد من المشاريع ذات البعد الاجتماعي والاقتصادي، ما يجعل انتظام دوراته وانعقاد اجتماعاته في المواعيد المحددة عاملا أساسيا لضمان استمرارية العمل المؤسساتي. لذلك فإن أي تعثر في عقد جلساته يثير بطبيعة الحال تساؤلات لدى الرأي العام المحلي حول الأسباب الحقيقية الكامنة وراء ذلك، وحول مدى تأثير هذه التطورات على السير العادي للمجلس وبرامجه المستقبلية.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن غياب عدد كبير من الأعضاء خلال دورة رسمية قد يعكس وجود مواقف سياسية أو تنظيمية تستدعي المعالجة والحوار داخل المؤسسة المنتخبة. فالمجالس الترابية تقوم في جوهرها على مبدأ التعاون بين مختلف المكونات السياسية من أجل تدبير القضايا ذات الأولوية بالنسبة للمواطنين، وهو ما يتطلب درجة عالية من التنسيق والانسجام بين أعضاء الأغلبية على وجه الخصوص. وعندما تبدأ مؤشرات التباعد أو الاختلاف في الظهور بشكل يؤثر على السير العادي للمؤسسة، فإن ذلك يفتح الباب أمام قراءات متعددة بشأن مستقبل التوازنات السياسية داخلها.
وفي المقابل، يذهب بعض المهتمين بالشأن الجماعي إلى أن ربط غياب الأعضاء بشكل مباشر بوجود أزمة داخل الأغلبية قد يكون سابقا لأوانه، خاصة في غياب معطيات رسمية توضح الأسباب الحقيقية وراء عدم حضور العدد الكافي من المنتخبين. فالتجربة الجماعية بالمغرب أظهرت في أكثر من مناسبة أن حالات الغياب قد تكون مرتبطة باعتبارات مهنية أو شخصية أو تنظيمية لا تعكس بالضرورة وجود خلافات سياسية عميقة. غير أن حجم الغياب المسجل خلال هذه الدورة بالذات يجعل من الصعب تجاهل البعد السياسي المحتمل لهذه الواقعة.
ومن الناحية القانونية، فإن عدم اكتمال النصاب القانوني يفرض تأجيل أشغال الدورة وفق المساطر المحددة في القوانين التنظيمية المؤطرة لعمل الجماعات الترابية والمجالس الإقليمية. وتضمن هذه المقتضيات استمرارية العمل المؤسساتي من خلال الدعوة إلى جلسة ثانية يمكن أن تنعقد وفق شروط مختلفة تتيح للمجلس مناقشة النقاط المدرجة في جدول الأعمال واتخاذ القرارات اللازمة بشأنها. لذلك فإن تأجيل الدورة لا يعني بالضرورة تعطيل عمل المجلس بشكل كامل، لكنه يظل حدثا يلفت الانتباه ويستوجب التوضيح والتواصل مع الرأي العام.
وتكتسي هذه الدورة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الملفات التي عادة ما يتم عرضها خلال دورات شهر يونيو، والتي ترتبط في الغالب بتتبع المشاريع التنموية وبرمجة الاعتمادات المالية ودراسة عدد من الاتفاقيات والشراكات ذات الصلة بالتنمية المحلية. ولهذا فإن تأخير مناقشة هذه الملفات قد ينعكس على وتيرة تنزيل بعض البرامج أو اتخاذ قرارات ينتظرها المواطنون والفاعلون المحليون.
وفي مدينة ابن جرير، التي تعد القلب النابض لإقليم الرحامنة، يتابع المواطنون باهتمام كبير أداء المؤسسات المنتخبة ومدى قدرتها على تحقيق الأهداف التنموية المنشودة. وقد شهد الإقليم خلال السنوات الأخيرة إطلاق مجموعة من المشاريع والأوراش التي راهنت عليها مختلف الجهات من أجل تعزيز الجاذبية الاقتصادية وتحسين الخدمات المقدمة للسكان. ومن هذا المنطلق، فإن أي مؤشرات على وجود ارتباك داخل المؤسسات المسؤولة عن تدبير الشأن المحلي تثير بطبيعة الحال اهتمام الرأي العام وتدفعه إلى البحث عن التفسيرات والمعطيات المرتبطة بها.
ويرى عدد من الفاعلين المحليين أن المرحلة الحالية تتطلب تعزيز منطق الحوار والتشاور بين مختلف مكونات المجلس الإقليمي، بما يضمن تجاوز أي خلافات محتملة والحفاظ على استقرار المؤسسة. فالمواطنون، بحسب العديد من المتابعين، ينتظرون من المنتخبين التركيز على الملفات التنموية والخدماتية أكثر من الانشغال بالتجاذبات السياسية التي قد تؤثر على الأداء العام للمجلس. كما أن نجاح أي مؤسسة منتخبة يبقى مرتبطاً بقدرتها على تدبير الاختلافات الداخلية في إطار من المسؤولية والالتزام بالمصلحة العامة.
وفي ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، تكتسب التحركات السياسية داخل مختلف المجالس المنتخبة أهمية إضافية، حيث تبدأ ملامح إعادة ترتيب الأوراق وبناء التحالفات في الظهور بشكل تدريجي. لذلك لا يستبعد بعض المراقبين أن تكون التطورات الأخيرة جزءاً من دينامية سياسية أوسع تعرفها الساحة المحلية بالإقليم، خاصة أن السنوات التي تسبق الانتخابات غالباً ما تشهد تحولات في مواقف عدد من المنتخبين والأحزاب السياسية.
ومهما تكن الخلفيات الحقيقية وراء عدم اكتمال النصاب خلال الدورة الأخيرة للمجلس الإقليمي للرحامنة، فإن المؤكد أن الأنظار ستتجه خلال الفترة المقبلة نحو الخطوات التي ستتخذها رئاسة المجلس ومختلف مكوناته لتجاوز هذا الوضع وضمان انعقاد الدورات المقبلة في ظروف عادية. كما سيظل الرأي العام المحلي مترقباً لأي توضيحات رسمية يمكن أن تسهم في فهم ملابسات ما جرى وتبديد التساؤلات المطروحة بشأن مستقبل الأغلبية المسيرة للمجلس.
وفي النهاية، تبقى المؤسسات المنتخبة مطالبة أكثر من أي وقت مضى بالحفاظ على انتظام عملها وتعزيز ثقة المواطنين في أدائها، من خلال ضمان الحضور الفعال للأعضاء والانخراط الجاد في معالجة القضايا المرتبطة بالتنمية المحلية. فالتحديات التي تواجه الأقاليم والجماعات الترابية لا تترك مجالاً كبيراً للهدر الزمني أو للتجاذبات التي قد تؤثر على مصالح الساكنة، وهو ما يجعل من التوافق والتعاون بين مختلف الفاعلين السياسيين ضرورة أساسية لضمان نجاح المشاريع وتحقيق الأهداف التنموية المنشودة.