سلسيون في قلعة السراغنة.. آفة خطيرة تهدد مستقبل القاصرين

0

الانتفاضة//الحجوي محمد

في مشهد مقلق يعكس تنامي ظاهرة الإدمان على المواد الطيارة بين فئة القاصرين، رصدت “الانتفاضة” انتشار تعاطي مادة “سلسيون” بشكل لافت في مدينة قلعة السراغنة، حيث تحولت هذه المادة التي تستخدم عادة في تلصيق إطارات الدراجات والعجلات إلى سم قاتل يهدد حياة الأطفال ويُفقدهم براءتهم أمام مرأى الجميع.

دون اكتراث أو خوف، يرصد المارة يومياً العديد من القاصرين وهم يتعاطون “سلسيون” في شوارع المدينة وأزقتها، متخذين من العبوات الصغيرة التي تحتوي على المادة اللزجة وسيلة للهروب من واقعهم نحو عالم زائف من الدوخة والذهول. هذه العلب الصغيرة، التي يفترض أن تكون أداة لإصلاح العجلات، تحولت إلى سلاح مدمر يصادر عقول الصغار قبل أن يصادر أرواحهم.

ما لا يدركه هؤلاء القاصرون، حسب المختصين، أن “سلسيون” ليس مجرد مادة لاصقة عادية، بل هو مركب كيميائي يحتوي على حلقة البنزين، وهي نفس المادة الموجودة في البنزين والدهانات ومذيبات الطلاء. ورغم أنها غير مدرجة ضمن قائمة المخدرات المحظورة رسمياً، إلا أن تأثيرها المدمر يفوق في بعض الأحيان تأثير المواد المخدرة التقليدية، خاصة أنها رخيصة الثمن ومتوفرة بسهولة في الأسواق دون رقيب.

خلال فترة تتراوح بين ربع ساعة و45 دقيقة فقط من الاستنشاق، تنتشر المادة السامة في كامل أعضاء الجسم، ويستمر تأثيرها المدمر لمدة تصل إلى ساعتين. ويفقد المتعاطي قدرته على التقييم السليم للأمور والمسافات والزمن، كما يصاب بفقدان التكيف والتناغم العصبي العضلي. وتشمل الأضرار الصحية فشلاً في الجهاز التنفسي وسعالاً والتهابات في الأنف قد تصل إلى حد النزيف، إلى جانب الغثيان والقيء والصداع والدوار. ويفقد القاصر السيطرة على جسده وتصرفاته وسلوكياته، مع انخفاض ملحوظ في ضغط الدم وزيادة في سرعة التنفس وعدم انتظام نبضات القلب، إضافة إلى اضطراب الرؤية. وفي بعض الحالات الخطيرة، قد يؤدي الأمر إلى الوفاة المفاجئة.

لا يقتصر تأثير هذه المستنشقات على الجسد فقط، بل يمتد ليطال العقل والسلوك. فالمدمن على “سلسيون” يعيش في حالة دائمة من الخوف والاضطراب، ما يجعله أكثر عدوانية وعنفاً، ويظهر بسلوكيات غريبة، وقد يصل به الأمر إلى الاكتئاب الحاد. كما تتعرض الطرق العصبية السمعية للتلف، مسببة طنيناً مزمناً قد لا يزول مع الوقت.

ينتشر بين بعض المتعاطين اعتقاد خاطئ بأن شرب الماء يمكن أن يعالج آثار هذه السموم، لكن الحقيقة أن الحل الوحيد يكمن في الإقلاع الفوري والاستعانة بالعيادات المتخصصة في علاج الإدمان. فرغم أن الجسم يبدأ تلقائياً عملية ترميم الذات والتخلص من السموم، وهي عملية قد تستمر أشهراً حتى يعود الجسم إلى حالته الطبيعية، إلا أن الخلايا العصبية التي تُدمر بالكامل في الدماغ أو المسارات العصبية لا يمكنها التجدد أبداً. ويبقى الأمل في أن لا تكون مدة الإدمان أو الكمية المستخدمة كافية لتدمير الخلايا العصبية بشكل كامل.

في ظل هذا الواقع المأساوي، يزداد الصوت عالياً مطالباً السلطات المعنية بالتدخل العاجل لوضع حد لهذه الظاهرة الخطيرة، عبر ملاحقة البائعين والمروجين لهذه المادة، وتشديد الرقابة على محلات بيعها، مع فتح مراكز متخصصة لعلاج القاصرين المدمنين قبل فوات الأوان. فكل يوم يتأخر فيه الحل يعني المزيد من العقول البريئة التي تسرق والمزيد من الأرواح التي تذهب هباءً. والإقلاع عن هذه الآفة اليوم خير من غد، فالجسم الذي منحه الله للإنسان أمانة يجب الحفاظ عليها وعدم الإضرار بها. أطفال قلعة السراغنة ينتظرون من يمد يد المساعدة، قبل أن تصبح مادة “سلسيون” شاهد قبر على أحلام ضاعت في دوامة الإدمان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.