الانتفاضة // ضيف الله جالو
لا يعني تكوين التلاميذ خاصة في المراحل الابتدائية بالضرورة تكثيف المقررات العلمية أو الإغراق في الحفظ، بقدر ما يعني بناء قدراته الذهنية، وتنمية مهاراته في التفكير والتحليل.
غير أن المتأمل في واقع المقررات الدراسية في المدارس العربية الإفريقية يلاحظ حضورا كثيفا لمواد لا تنسجم دائما مع حاجات الطفل المعاصر، ولا مع طبيعة المرحلة العمرية التي يمرّ بها.
من أبرز هذه الإشكالات، استمرار التركيز على الحفظ بوصفه أداة مركزية للتعلم على حساب الفهم والمهارة.
فمادة تحفيظ القرآن على سبيل المثال، تُدرس داخل المدرسة كمادة تعليمية أساسية، في حين أن الواقع يثبت أن هذا الدور تؤديه بكفاءة المراكز القرآنية المحلية.
بل إن كثيرا من التلاميذ يتقدمون في تلك المراكز بوتيرة أسرع بكثير مما يحققونه داخل المدرسة.
الأمر ذاته ينطبق على تدريس تفسير القرآن في المراحل المبكرة؛ وهي تعتمد على شروح لغوية ومفاهيم تجريدية قد لا تتلاءم مع المستوى الإدراكي للطفل في المرحلة الابتدائية أو حتى الإعدادية.
وعليه، فإن تحويل هذه المادة إلى تمارين حفظ للمفردات لا يحقق الغاية التربوية المرجوة، بل قد يكرّس نمطا تعليميا يبتعد عن الفهم العميق للنص.
في المقابل، يشهد العالم اليوم تحوّلا معرفيا جذريا بفعل الثورة التكنولوجية.
فقد أصبح الوصول إلى المعلومة متاحا عبر أدوات رقمية متقدمة، بل إن تقنيات الذكاء الاصطناعي باتت قادرة على تقديم قراءات متعددة للنص في وقت وجيز.
وهذا لا يعني الاستغناء عن التراث أو إلغاء دور الكتاب، بل يدفع إلى إعادة التفكير في ما ينبغي أن نُعلِّمه، وكيف نُعلِّمه.
إن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في وجود هذه المواد في حدّ ذاتها، بل في توقيت تدريسها .
فبدل تحميل الطفل مقررات لا تزيده نضجا فكريا ينبغي تعزيز مواد تنمي مهارات التفكير النقدي، وحلّ المشكلات، والتعامل مع التكنولوجيا، بوصفها أدوات أساسية في تشكيل إنسان العصر.
ولا يعني ذلك التقليل من شأن العلوم الدينية أو اللغوية، بل إعادة توجيهها ضمن رؤية تربوية متوازنة، تجعل من المدرسة فضاء لبناء العقل لا مجرد وعاء للحفظ.
إن مراجعة المقررات الدراسية لم تعد خيارا بل ضرورة تفرضها تحولات العصر.
فبين منطق الحفظ ومنطق التفكير، تتحدد ملامح الجيل القادم: إما متلق يعيد ما حُفِّظ، أو فاعل يفهم ويحلل ويُبدع..