الإنتفاضة الثقافية
بقلم : ذ عبد الجليل بـادزي
إطلالتنا اليوم عليكم، ستكون من خلال شاعر من شعراء مدينة مراكش، وواحد من شيوخها المعاصرين، مهووس بالملحون والزجل لدرجة أنه ملك عليه حياته، فاختار أن يستمع لقصائده ويحللها ويكتبها ثم أن يجدد في كتابتها، هذا الشيخ وهو الأستاذ محمد النميلة، وسنعرض جانبا من حياته الثرة من خلال كتاب الأستاذ المصطفى برادي “شعراء الملحون بمراكش بهجت لمتون”.
يقول عنه الأستاذ في الصفحة 261 من الكتاب: الأستاذ محمد النميلة ” ولد بمراكش سنة 1947م، وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي والجامعي بمراكش، حصل على الإجازة في القانون الخاص، وبعد قضائه مدة التجنيد الإجباري سنة 1966م، التحق بمدرسة المعلمين سنة 1968/، وبعد تخرجه منها عمل أستاذا للتعليم الابتدائي بمدينة ورززات من 1969 إلى سنة 1972م، ثم انتقل إلى مدينة آسفي ومنها إلى مدينة اليوسفية إلى سنة 1980م، ومنها انتقل إلى مدينة مراكش أستاذا للتعليم الابتدائي.
قدم استقالته من التعليم ليلتحق بهيئة المحاماة سنة 1986م، عشق الملحون منذ شبابه، حيث كان يتابع الاستماع إلى وصلاته التي تقدمها الإذاعة الوطنية آنذاك، قبل أن يبدأ في جمع نصوص أشياخه وتوثيقها داخل كنانيش خاصة به، بعد انخراطه بجمعية هواة الملحون المراكشية، بدأ في صقل مواهبه في هذا الموروث الأدبي…” فبدأ في كتابة نصوصه الأولى التي كانت تنال إعجاب المستمعين لها، وشق طريقه في هذا الإطار بجد وعناية كبيرة، حتى أصبح من الشعراء المعدودين على مستوى كتابة القصيدة الملحونة بالشكل التقليدي.
نظر الشيخ بعدها في قصيدة الشعر الملحون بعين ثاقبة، فوجد أن ما ينتجه شعراء الملحون المعاصرون، لا يستطيع أن يصمد أمام التحديات التي ترفعها أمامه أنماط غنائية أخرى شبابية، والسبب يكمن في كون أغراض قصيدة الملحون أصبحت بالية وفي حالة على الأقل إلى التجدد، حتى يمكن أن ننتج قصائد ترضى أذواق الشباب، وتساير العصر، كما أن هذه القصيدة طويلة بشكل يجعلها مملة وعصية عن التقبل، وهذا كله ساهم في تقليص عدد المهتمين بها والمتابعين لها، ولولا التجربة المتميزة التي قادتها فرق من المجموعات الغنائية مثل: ناس الغيوان وجيل جيلالة، والتي أعادة الروح لهذه القصيدة، لكانت قد ماتت منذ أزمان، ولذلك سعى إلى تغيير مساره في الكتابة، وتحول نحو القصائد القصيرة والغنائية، كما كتب أيضا النصوص الزجلية المعاصرة.
ورغم اختلافنا مع الأستاذ في الطريقة التي ينظر بها إلى قصيدة الملحون هاته، وحكمه عليها، إلا أننا لا ننكر انه ساهم بقدر وافر في كتابة نصوص خفيفة أمد بها فرقا غنائية كوَّنها داخل جمعية الوفاء المسرحية المراكشية التي يرأسها، وبعد الاستماع إليها، نالت إعجاب الجمهور بشكل كبير.
له إنتاجات كثيرة يصعب متابعتها في هذه الورقة التي خصصناها له، ولكن هذا لا يمنعنا من التذكير ببعضها
ــ ديوان المسافرة، بأسطوانة مسموعة
ــ ديوان صيحة القلب، “” “” “” “”
ــ ديوان حرب الهوى، “” “” “” “”
ــ ديوان سوق العشاق”
ترجمت إحدى قصائده إلى اللغة الفرنسية من طرف الأستاذ فؤاد كسوس، وهذه القصيدة تحت عنوان “الشيك”، وهي في طبع قصيدة “ارفق أمالكي بعبدك” لعبد القادر العلمي، وتقول حربتها:
هذاك الشيك أ حبيبي دفعو فحسابك واصبر + لولا ملزوم بالفقر +
نسخى بكثير في اجمالك لكن اليد قاصرا
إلى جانب هذا، فهو شاعر يكتب باللغة العربية المدرسية، وله قصائد رائعة في هذا المجال.
كان متأثرا بشكل كبير بالشيخ الجيلالي امتيرد من حيث الشكل، حيث كان هذا الشيخ لا يطيل في قصائده، وعندما سئل عن ذلك أجاب: “حتى إذا كانت هذه القصائد مملة لا يستثقلها الناس”، وكان هذا مذهب الأستاذ محمد النميلة في الكتابة من حيث الشكل، أما من حيث المضمون، فالشيخ الذي أثر فيه كثيرا، هو السي التهامي المدغري من خلال غزلياته وخمرياته، فكان الشيخ محمد النميلة يقول عن السي التهامي بأنه نزار قباني الملحون، ولذلك كان هو أيضا يكثر من الكتابة في غرض العشاقي والخمريات، أطال الله عمره.
نلج عالمه اليوم من خلال قصيدة تقليدية وجدنا بأن مضمونها يلائم الغرض الذي نعالجه في رمضان هذه السنة، وهي تحمل عنوان: الاستغاثة”.
والقصيدة جاءت في بحر المبيت، المرمة الخماسية، وهي في طبع “قصيدة الدربلة” للشيخ الجيلالي امتيرد، وقد سبق أن تحدثنا عن هذا الموضوع، وبيناه بشكل كافي في ورقة سابقة، هذا على مستوى الشكل، أما على مستوى المضمون، فيمكن القول بأن مضمون النص وجداني، يتحدث من خلاله الشيخ عن تجربته الشخصية، التي يمكن أن يتمثلها كل مسلم يرجو رحمة الله تعالى وغفرانه.
ومن خلال حربة القصيدة، نجد الشيخ متأثرا بشكل كبير بالحالة التي هو عليها، والتي لا تنسجم مع الاستقامة التامة التي طلبها الله من عباده سبحانه وتعالى، ويرفع أكف الضراعة إلى العلي القدير، راجيا منه أن يعينه ويثبته على طريق الحق، فليس له من ملجأ إلا بابه سبحانه وتعالى.
ثم يسترسل في قصيدته معترفا بذنوبه الكثيرة التي حصدها في حياته، وأنه لا عذر له في جرائمه التي قام بها، فالمشكلة تكمن في نفسه التي غرها الشيطان وزين لها الحياة الدنيا الفانية، فتبعته فيما أمرها به، وعصى أوامر الله سبحانه وتعالى، والآن وقد بلغ من العمر عتيا، فهو لا يرجو سوى رحمته وغفرانه وعفوه.
أما في القسم الثاني من القصيدة، فيوغل الشيخ في تضرعه إلى الخالق سبحانه وتعالى، مذكرا ببعض صفاته كما وردت في القرآن الكريم والأثر، وذلك حتى يستجيب سبحانه وتعالى لتوسله، فهو سبحانه عالم بأسرار الخلق، يلم علمه بكل المسائل ولو دقت، وهو سبحانه العلي والعظيم الجاه، المتحكم في كل المصائر، وسبحانه تعالى فرد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد، لذلك نجد الشيخ على يقين من أنه تعالى مادام قادرا على كل شيء، فإنه قادر أن يغفر ذنوبه نكاية في إبليس اللعين الذي وجهه إلى طريق المحال، ورحمة الله الواسعة التي سبقت غضبه، والتي رحم بها عباده وأصفياءه وأنبياءه ورسله، فمنهم من أخرجه من بطن الحوت وكان قد التهمه، ومنهم من نجاه من سكين الموت قبل الذبح، ومنهم ومنهم …لهذا فطمع الشيخ في هذه الرحمة ليس بالشيء العسير ولا المستحيل الوقوع، فذاك هين عند الله سبحانه وتعالى، وهو القائل في معرض كتابه الحكيم: “قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا …”، وما دام هذا شأنه، فطمع الشيخ في رحمته وغفران ذنبه أمر مشروع.
ثم يختم الشيخ قصيدته بتوسل مباشر لله سبحانه وتعالى من أجل أن يتداركه بعفوه وكريم إحسانه، وأن يرشده لطريق الحق والصواب ويثبت قلبه عليه، فقد مرت مرحلة الشباب وأصبح شيخا هرما، لذا يرجو من الله تعالى أن يكون معه يوم خروج روحه، ويختم له بالشهادة التي هي مفتاح السعادة، وطبعا كعادة أشياخ الملحون، يوقعون في آخر القصيدة بأسمائهم مخافة سرقة نصوصهم. وإليكم النص كاملا لتطلعوا عليه، وتسجلوا حوله ملاحظاتكم.
قصيدة: “الاستغاثة”
نظم: الشيخ محمد النميلة
الحـــربـــة:
هـزيـت اكـفـوفي لخالـقـي وادعيــت * يا رب ديـر لِـي تثبيــت * شـــلا اجـنـيــت *
غيــرك مالـيا اكــرهــت أو بغـيـــت * حـكــــم الحــكـــــام
القسم الأول:
أنا يا سيـــدي كـــم درت العَــــــــار * شــلا اجــرايمي واكثار * ذنــــــب ووزار *
ما عنـــدي سبَّـــة ولا يلـي أعــــذار * ثـبــــت التــــهـــــام
أنا يا سيــــدي قـــابــــط الشهـــوات * نفسي احلــى لها اهــات * شـــلا اهــــــات *
واعجبها وابغات كــامـــل اللــــذات * تيــــــهُ اظــــــــــلام
أنا يـا سيـــدي ما القيـــــت اسنـيــــد * واغــوى ساكـني لمريد * وهـــــو شـديـــد *
ونــــيا نفــســــي طايــعـــــة لعنيـــد * طــــــوع الرغـــــام
أنا يا سيـــدي فالـزمـــان اضعيـــف * قـــدام غابـــت التشغيف * ماليــــش كـيـف *
مالي ضرقـــــة واقيــــة مـن سيــف * ضــــــد الــهـــــزام
أنا ياسيـــدي ما اقــريـــت احســاب * حتى مْشى وراح شْباب * وراســي شْــيَابْ * وعـــزريـــل اقـــريب دقتُــه فالباب * عنـــــد الخــتــــــــام
القسم الثاني:
أنــت يا ربي الكـاشــف المحجــوب * تدري اسرار كل اقلوب * ألـــــو اتــــدوب *
ما تخفى عنـــك خافيـــة فجــيـــوب * طـــــول الــــــــدوام
أنـــت يا ربــــي يا اعظيــــم الجــاه * لا حـــد ماثـلك ببهـــــاه * وأنـــــــــــت الله *
وأنتايــــا مـــوجــــود مـالك فعليـــاه * عـــــــز الفــهـــــــام
أنـــــت يا ربــي واحـــــد ومفــــراد * ما انزدتِ ما يلك أولاد * وأنــــت صمـــاد *
خيــــراتــك شـــلا وغامـــرة لعبــاد * كــــــرم الكــــــــرام
أنــــت يا ربـــــي مــــالك القـــــدرة * وكـبيـر فـوق من كـبرا * مــهــمــــا ادرى *
فقـــدرتــك الجميـــع عاجز الفكـــرة * عــبـــــر العـــــــوام
أنــت يا ربي ما اخفــاتــــك حـــــال * بيني وبيــن ديني حـال * غـرضـو محـــال *
شيطاني لرجيـــم صاكــني بَمْحـــال * لســـــوق الـــزحـــام
القسم الثالث:
رحمـان ورحيــم من ضمــن اسماك * ارحمتـك واسعـة لفلاك * أرض وسمــــاك *
ليس إينال مرو عـــلاوتـك وسمــاك * جـــــل لـمــقـــــــــام
ارحمتــك سبقات فالكـتــاب اعــذاب * وجات في اسوار كْتاب * جـــــل لكــتــاب *
قرآنــــك العظيــــم فات فالمــــرتاب * بـــــــدء وتمــــــــام
ارحمتــــك والله مالـهــــــا تشبيـــــه * ألـو يكـون جلـف اسفيه * لـــــوزار فـــيــه *
كـــرمـــلات البيـــد ما اخفــا تكــفيه * مــــــن ذا الأثــــــام
برحمتــك يونــس ما ابقى فالحـــوت * من بعد شاف وجه الموت * ولا القـــــوت *
اليقطيــــن عليـــه راخيَــة لقــنـــوت * ظـــــــل ونـســـــــام
ورحمتــك دركات سابــق اسماعيـل * اكــفـــاه بالصبر الجـليـــل * خيرُه اجــزيل *
رمـــز الله أتاه جــاب لو جبــريــــل * فــــــدو الشـحـــــــام
القسم الرابع:
راني فيــك امزاوك ديـر لي تاويــل * مالــي اســواك يا لوكيـــل * حملــي اثقيــل *
غيــر عليا غِيــر راه فاض الكِيــــل * مــــــن لجــــــــــرام
راني فيك امْزاوك ما نْشوف عْبوس * يُومَنْ اتجابهـــوا لنفـــوس * ولا اعكـــوس *
تخـرج لي روحي فارحة كعـــروس * عــنــــد الحــمــــــام
راني فيـــك امـــزاوك ردنـي للخير * هبني اســـوارت التيسيـــر * يا ذا الكـبيـــر *
وتجنـــب عني اصعايـــب وتعسيــر * وكـــــد الحـــــــــرام
راني فيــــك امــــزاوك لبـدان ارشا * لعضـــا انتابهـــا رعـشـــة * طـــب الحشـا *
بالرحمة والجــود هـــب لـي كـمـشَة * يـــا ذا الهـــمـــــــام
راني فيـــك امـزاوك عِـني فالكــون * وكـــن في اجنابـــي كـــن * حرك وسكون *
ما عنـــدي سواك غيـر لك اركــون * وعلـــــى الـــــــدوام
القسم الخامس:
اختـمــت الحلـــة الصايلـــة بالميـــز * وكـمــام ثــوبها لعـــزيــز * ذر ولــويــــز *
ولغاها مكمــول ما اخفــى تعجيــــز * لهـــــل الكــــــــــلام
مانايا دعــي ما اقصـــدت اجـحــــاد * والضميـــر سالــم والفؤاد * مـــن العـنـــاد *
وقابــط وَقْــــرِي امْـرَايْــمي لنشـــاد * دون الــشــتــــــــــام
يا راوي لقصيـــد هــاك صِـغ ادباج * تـرياق مازجُـــه وعـــلاج * لهـــل اللجـاج *
ما ناوي تعـــراض ما يْلِي تَـهْـــراج * فِــي ذَا القْــسَــــــــامْ
وســـلامي بنســام فايحـــة ولقـــــاح * الكـــل ناظــــم وكـــــراح * امسـى اصباح *
وشيــاخ الموهـــوب قاطبـة يا صاح * وهـــــل الســــــــلام
واسمــي ما يخفــى النميلة فمــديـــن * البهجـــة عارفـــه لفطيــن * هـاذي اسنيـن *
ما نخشــى نقـــاب ليــن لي تمكِـيــن * حبـــــر النظـــــــــام
التعليقات مغلقة.