سيكولوجية “الشراء المستعجل” في رمضان.. عادة اجتماعية أم اضطرار يومي؟

الانتفاضة // نور الهدى العيساوي

مع اقتراب أذان المغرب في رمضان، تتبدل ملامح المدن المغربية بشكل واضح، وتتحول الأسواق إلى فضاءات مشحونة بالتوتر والحركة المتسارعة. في تلك الساعة الحرجة، حين يشتد الإرهاق وتتثاقل الخطوات، يتدفق الناس نحو محلات الخضر والمخابز ومحلات الحلويات في مشهد يومي يتكرر بلا انقطاع. تختلط الأصوات، تتعالى النداءات، وتضيق الممرات بأجساد أنهكها يوم طويل، بينما تتسارع الأنفاس وكأن الجميع يخوض سباقًا صامتًا ضد الزمن، سباقًا لا تُقاس نهايته إلا بلحظة الأذان.

في هذه اللحظات، يفقد التسوق طابعه الروتيني، ويتحول إلى ضرورة ملحّة تفرضها الساعة قبل أن تفرضها الحاجة. كثيرون يصلون إلى الأسواق مباشرة بعد انتهاء دوامهم، حاملين معهم تعب العمل، مدفوعين برغبة عاجلة لتأمين مائدة الإفطار. لا وقت للتردد أو المقارنة، ولا مجال للتخطيط الهادئ؛ القرار يُتخذ بسرعة، والشراء يتم تحت ضغط اللحظة، وكأن كل دقيقة تأخير قد تعني غياب عنصر أساسي عن مائدة تنتظرها أسرة كاملة.

هذا التهافت لا يعكس فقط ضيق الوقت، بل يكشف عن علاقة عميقة بين الإنسان والزمن خلال رمضان. فمع اقتراب لحظة الإفطار، يتزايد الإحساس بالاستعجال، ويتحول السوق إلى محطة أخيرة قبل الانفراج. هناك، في طوابير الخبز وأمام أكوام التمر وصواني الشباكية، تتجسد لحظة انتظار جماعية، حيث يتشارك الجميع الشعور نفسه: التعب ذاته، والرغبة ذاتها في الوصول إلى نهاية اليوم بسلام.

وتحمل المائدة الرمضانية في الوعي الجمعي أكثر من مجرد وظيفة غذائية؛ إنها طقس يومي يعيد تأكيد الروابط العائلية، ويمنح لحظة الإفطار رمزيتها الخاصة. لهذا، تفضّل كثير من الأسر اقتناء المنتجات طازجة في آخر ساعات النهار، وكأن قرب الشراء من لحظة الإفطار يمنح الطعام قيمة إضافية. هذا الاختيار، رغم بساطته الظاهرة، يضاعف الضغط على الأسواق ويجعلها تعيش ذروة قصيرة لكنها كثيفة، تتكرر كل مساء بنفس الوتيرة.

بالنسبة للتجار، تمثل هذه الدقائق الأخيرة فرصة ورهبة في آن واحد. فالإقبال المفاجئ يرفع حجم المبيعات، لكنه يفرض إيقاعًا مرهقًا من العمل المتواصل، حيث تتسارع عمليات الوزن والحساب والتسليم بلا توقف. وفي بعض الأحيان، تنفد السلع قبل دقائق من الأذان، فيزداد القلق بين الزبائن، ويتحول الخوف من النقص إلى دافع إضافي للاستعجال، وكأن السوق يعيش لحظة احتباس جماعي قبل أن يفرغ فجأة مع أول نداء للمغرب.

لكن المفارقة الأكثر عمقًا تكمن في أن هذا المشهد يحدث في شهر يُفترض أنه شهر السكينة والتخفف. فبينما يدعو رمضان إلى التمهل والتأمل، تفرض ضروريات الحياة الحديثة إيقاعًا مختلفًا، حيث يصبح الوقت موردًا نادرًا، ويصبح السوق مسرحًا يوميًا لتوتر صامت بين متطلبات الحياة وضغط الساعة. ومع انطلاق الأذان، تخلو الأسواق فجأة، ويحل صمت قصير بعد عاصفة من الحركة، كأن المدينة بأكملها كانت تحبس أنفاسها، ثم أطلقتها دفعة واحدة.

في النهاية، لا يمكن اختزال ازدحام الأسواق قبل الإفطار في كونه مجرد ظاهرة ظرفية مرتبطة بشهر معين، بل هو مؤشر على كيفية تكيف المجتمع مع تغير مؤقت في الزمن البيولوجي والاجتماعي. إنه تعبير عن إعادة ترتيب الأولويات اليومية حول لحظة الإفطار، وعن الطريقة التي يعيد بها رمضان تشكيل علاقة الأفراد بالوقت والاستهلاك، ولو بشكل مؤقت، لكنه يتكرر كل عام بنفس الكثافة.

التعليقات مغلقة.