الانتفاضة
ككل شهر رمضان الفضيل، يطفو إلى السطح موضوع القفة الرمضانية وما يترتب عليها م تداعيات خاصة إذا كانت مقرونة بالمنظومة السياسية والمشاركة السياسية والأحزاب السياسية.
فمع حلول شهر رمضان المبارك من كل سنة، تتجدد في قلوب المغاربة معاني التضامن والتكافل الاجتماعي، وتتعزز قيم الرحمة والإحسان التي تميز هذا الشهر الفضيل.
وفي هذا الإطار، تأتي المبادرة الملكية السامية التي يعطي انطلاقتها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، والمتعلقة بتوزيع “قفة رمضان” على الأسر المعوزة عبر ربوع المملكة الشريفة، كمحطة إنسانية ينتظرها الآلاف ممن أثقلتهم تكاليف المعيشة وضيق ذات اليد.
هذه المبادرة الملكية ليست مجرد دعم غذائي ظرفي، بل رسالة تضامن قوية من المؤسسة الملكية تجاه الفئات الهشة، وتأكيد على العناية الموصولة التي يوليها جلالته للأسر المعوزة، خاصة في هذا الشهر الذي ترتفع فيه المصاريف وتزداد فيه الأعباء.
غير أن ما يفترض أن يكون نعمة تخفف ولو قليلاً من معاناة الأسر المعوزة، تحول في بعض المناطق إلى موضوع تساؤل واستياء، بل وإلى مصدر اتهامات خطيرة ترتبط بالزبونية والمحسوبية وسوء التدبير.
سيدي سليمان… واقع يثير علامات الاستفهام
في مدينة سيدي سليمان، كما يروي عدد من المواطنين، ظهرت صورة مغايرة للهدف النبيل للمبادرة. أسر معوزة، لا تملك قوت يومها، فوجئت بعدم إدراجها ضمن لوائح المستفيدين، رغم استحقاقها الواضح. في المقابل، تتردد أحاديث عن استفادة “محسوبين” وأشخاص لا تنطبق عليهم شروط الهشاشة بنفس الدرجة.
هنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح:
من المسؤول عن إعداد لوائح المستفيدين؟ ومن يراقب سلامة هذه العملية؟ وهل تخضع لمعايير واضحة وشفافة، أم أنها تُركت لمن يتولى التوزيع ليستعملها كوسيلة لبناء الولاءات وكسب المدح على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي؟
الأخطر من ذلك أن بعض عمليات التوزيع، بحسب شهادات متطابقة، لم تكن واضحة المعالم، إذ لم تُوثق كما ينبغي، ولم يظهر لها أثر في الواقع ولا حتى في الفضاء الرقمي، ما يفتح الباب أمام الشكوك حول مدى شمولية العملية وعدالتها.
فالمبادرة في جوهرها عمل تضامني وطني، لا ينبغي أن يُختزل في حسابات شخصية أو في صور دعائية عابرة.
عندما تُحرم أسرة معوزة من “قفة رمضان” وهي في أمسّ الحاجة إليها، فإن الأمر لا يتعلق فقط بسلة مواد غذائية، بل بكرامة مهدورة وثقة مهزوزة.
فالأسر التي تنتظر هذه المساعدة بفارغ الصبر، ثم تُفاجأ بعدم استفادتها دون توضيح، يحق لها أن تتساءل: هل المعايير واضحة؟
هل تم تحيين اللوائح؟
هل هناك مراقبة فعلية؟
الحاجة إلى الشفافية والمحاسبة
إن الحفاظ على قدسية المبادرات الاجتماعية ذات الطابع الملكي يمر حتماً عبر ضمان الشفافية في التنفيذ، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فكل تقصير أو استغلال لا يسيء فقط إلى صورة الجهة المشرفة محلياً، بل يسيء أيضاً إلى روح المبادرة نفسها.
المطلوب اليوم في سيدي سليمان، وفي غيرها من المناطق، هو فتح نقاش مسؤول حول آليات اختيار المستفيدين، ونشر معايير واضحة، وإشراك السلطات المحلية والمجتمع المدني في التتبع والمراقبة، مع إحداث آلية لتلقي الشكايات ومعالجتها بجدية.
فقفة رمضان يجب أن تبقى نعمة تصل إلى مستحقيها، لا أداة للزبونية أو وسيلة لكسب الولاءات.
المبادرات الملكية وُجدت لخدمة المواطنين الأكثر هشاشة، وأي انحراف عن هذا الهدف هو خيانة لروح التضامن التي تجمع المغاربة، خاصة في شهر الرحمة والغفران.
التعليقات مغلقة.