الانتفاضة ✍️ محمد الشندودي $$ ناشط مدني متقاعد
ليس الوعي مرحلة عمرية ترتبط بالشباب وحده، ولا امتيازا معرفيا ينتهي بانتهاء المسار المهني، بل هو قدرة انسانية تتجدد بتجدد التجربة، وتتعزز كلما توفرت شروط التعليم المستمر، والحرية المعرفية، واستقلال العقل النقدي، ونوعية الخطاب السائد. ومن هذا المنطلق، يصبح الحديث عن الوعي لدى المتقاعدين حديثا عن المناخ الذي يحيط بهم، اكثر مما هو حديث عن اعمارهم.
المتقاعد لا يغادر المجتمع بخروجه من الوظيفة، انه ينتقل من موقع الانتاج الوظيفي الى موقع الشهادة التاريخية والخبرة المتراكمة. غير ان هذه الخبرة قد تتحول الى طاقة معطلة اذا حوصرت بثقافة التهميش، او بخطاب يصور التقاعد كمرحلة انطفاء. وهنا تبرز اهمية التنشئة الاجتماعية المتجددة، اي اعادة ادماج المتقاعد في فضاءات الحوار والمشاركة، بدل عزله في دائرة الانتظار والصمت.
يتشكل الوعي لدى المتقاعدين عبر مسارات مترابطة، في مقدمتها التعليم القائم على التفكير لا التلقين. فالتكوين هنا شرط لاستعادة الدور. وحين يتحول المتقاعد من متلق للاخبار الى فاعل في تحليلها وتفكيك خلفياتها، يصبح قادرا على قراءة التحولات الاقتصادية والاجتماعية بعمق، لا بانفعال. بذلك يغدو العقل النقدي اداة دفاع عن الكرامة، لا مجرد تمرين ذهني، وتتحول المعرفة الى قوة اقتراح ومبادرة.
كما ينمو الوعي في بيئة تحمي السؤال، ولا تجرم الاختلاف. فالسكوت القسري لا يصنع استقرارا، بل يصنع احتقانا مؤجلا. وعندما يشعر المتقاعد ان صوته مسموع، وان بوسعه مساءلة السياسات العمومية، ومناقشة اختلالات انظمة التقاعد، والمطالبة بالعدالة الاجتماعية دون وصاية او تخويف، فانه يستعيد موقعه كمواطن كامل الاهلية. وهنا تصبح المساءلة المؤسسية ممارسة يومية، ويتحول الوعي الفردي الى وعي جمعي منظم.
ولا يمكن اغفال اثر الخطاب السائد في تشكيل وعي المتقاعدين. فاللغة ليست بريئة، والصور النمطية ليست عفوية. حين يختزل المتقاعد في رقم داخل ميزانية، او في عبء على صناديق مثقلة، يجري تجريده رمزيا من قيمته الانسانية. اما حين يقدم بوصفه راسمالا بشريا راكم تجربة وخبرة وذاكرة مؤسساتية، فان صورته في الوعي العام تتغير، ويستعيد ثقته في ذاته، ويستعيد المجتمع ثقته فيه.
ان استقلال العقل النقدي عن الخوف شرط اساسي لبناء وعي فاعل. فالخوف من فقدان الامتيازات، او من العزلة الاجتماعية، او من الاصطدام بمراكز القرار، قد يدفع البعض الى الصمت المريح. غير ان الوعي الحقيقي لا يولد في مناطق الراحة، بل في لحظة الجرأة على التفكير خارج السائد. وتمكين المتقاعدين من التعبير الحر، والانخراط في مبادرات مدنية وثقافية وتنظيمية، يحول خبرتهم من ذاكرة فردية صامتة الى قوة اقتراح جماعية تضغط وتبادر وتغير.
هكذا يتحول التقاعد من نهاية مسار مهني الى بداية مسار فكري ومجتمعي جديد، مسار يعيد تعريف الذات خارج حدود الوظيفة، ويؤكد ان الكرامة لا تتوقف عند سن معينة، ولا تنحصر في راتب شهري. فالانسان يظل فاعلا ما دام قادرا على التفكير، والسؤال، والمشاركة في صناعة المعنى. والوعي، في النهاية، ليس امتيازا مرتبطا بسن، بل مشروع حياة يتجدد كلما توفرت شروط الحرية، والمعرفة، والمسؤولية.
التعليقات مغلقة.