الانتفاضة/ ابراهيم أكرام
تشهد الساحة القضائية بالمغرب واحدة من أكبر حالات الاحتقان المهني خلال السنوات الأخيرة، على خلفية توقف آلاف المحامين عن العمل وتعطل سير المحاكم بعدد من مدن المملكة، في ظل خلاف حاد حول مشروع قانون مهنة المحاماة الذي تقدمت به الحكومة. وفي خضم هذا الوضع، وجه النقيب عبد الرحيم الجامعي رسالة شديدة اللهجة إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش، حمله فيها المسؤولية السياسية والأخلاقية عن استمرار الأزمة، منتقدا ما وصفه بـ”الصمت المريب” وغياب أي مبادرة فعلية لاحتواء التوتر.
الجامعي اعتبر في رسالته أن موقف رئيس الحكومة يوحي وكأنه “رئيس حكومة في المنفى”، غير قادر على التدخل لحل أزمة تمس أحد أهم مكونات منظومة العدالة. فالحكومة، بحسب تعبيره، هي التي قدمت مشروع القانون الذي فجر غضب هيئات المحامين، ما يجعلها مصدر الأزمة وسبب استمرارها في الآن ذاته. ويرى أن غياب التواصل السياسي والحوار الجدي زاد من تعقيد الوضع، وأدخل القطاع في حالة شلل غير مسبوقة.
وتكشف الأرقام التي أوردها النقيب حجم التأثير الذي خلفه هذا التوقف؛ إذ اضطر نحو 20 ألف محام إلى تعليق مهامهم داخل المحاكم منذ أسابيع، في وقت توقفت فيه 88 محكمة من الدرجة الأولى و33 محكمة من الدرجة الثانية، إضافة إلى محكمة النقض، فضلا عن عشرات مراكز قاضي مقيم. هذا التعطيل الواسع، بحسب الرسالة، لم يقتصر أثره على المهنيين فقط، بل طال آلاف المتقاضين الذين وجدوا ملفاتهم معلقة وقضاياهم مؤجلة إلى أجل غير مسمى.
ويعتبر المتتبعون أن شلل المحاكم لا ينعكس فقط على وتيرة التقاضي، بل يضرب في العمق ثقة المواطنين في العدالة كمرفق عمومي حيوي. فالتأخير في البت في القضايا، خاصة تلك المرتبطة بالحريات أو النزاعات الاجتماعية والاقتصادية، قد يفاقم معاناة الأفراد ويزيد من منسوب التوتر داخل المجتمع. ومن هنا، يكتسي الخلاف بين المحامين والحكومة بعدا يتجاوز الإطار المهني الضيق، ليصبح قضية ذات طابع وطني تمس حقوق المواطنين الأساسية.
وفي انتقاد مباشر لمضمون مشروع القانون، يرى الجامعي أنه يشكل مساسا صريحا باستقلالية مهنة المحاماة وحصانتها التاريخية، ويهدف إلى إخضاعها للسلطة التنفيذية عبر وزارة العدل. وبحسب تصوره، فإن المشروع يتضمن مقتضيات من شأنها تقليص حرية المحامين في الممارسة والترافع، وفرض قيود تأديبية قد تستعمل للضغط عليهم، فضلا عن السعي للتحكم في تسجيل المحامين الأجانب وإعادة هندسة منظومة التكوين بشكل يخل بالتوازن القائم بين القضاة والمحامين داخل منظومة العدالة.
كما اعتبر أن جوهر الأزمة لا يتعلق فقط بنص قانوني تقني، بل بفلسفة إصلاحية يرى أنها تسعى إلى “جر المهنة إلى بيت الطاعة”، بدل تعزيز استقلالها كشريك أساسي في تحقيق العدالة. فالمحاماة، في نظره، ليست مجرد وظيفة إدارية، بل ركيزة من ركائز دولة القانون، ودورها يرتبط بحماية حقوق الدفاع وضمان المحاكمة العادلة.
وتضمنت الرسالة أيضاً انتقادات لاذعة لرئيس الحكومة، إذ اتهمه بتجاهل الأزمة والانشغال بحسابات سياسية وحزبية، بدل المبادرة إلى فتح حوار جدي بين وزارة العدل وجمعية هيئات المحامين. وذهب الجامعي إلى حد القول إن البلاد تعيش أكبر حركة احتجاجية في تاريخ المهنة، بينما يظل المسؤول الأول عن السلطة التنفيذية بعيدا عن المشهد، دون إعلان أي خطة أو مبادرة لنزع فتيل التوتر.
في المقابل، يرى بعض المتابعين أن الإصلاحات القانونية للمهن القضائية تظل ضرورة ملحة لمواكبة التحولات التي تعرفها منظومة العدالة، غير أن نجاحها يظل رهينا بمنهجية تشاركية تقوم على التشاور والإنصات للمهنيين المعنيين. فالتشريعات التي تفرض دون توافق غالبا ما تثير مقاومة قوية، وقد تؤدي إلى نتائج عكسية تعطل بدل أن تصلح.
ومن هذا المنطلق، طالب الجامعي بإطلاق مبادرة مستعجلة لتجاوز الأزمة، عبر تشكيل لجنة للحوار وتجميد مسار المشروع مؤقتا، وإعادة صياغته بناء على مقترحات المحامين، مع إسقاط المواد التي أثارت الجدل. كما دعا إلى الاعتذار للمتقاضين والمهنيين عن الأضرار التي خلفها هذا التعثر، باعتبار أن العدالة مرفق عمومي لا يحتمل التوقف أو التعطيل.
وتضع هذه التطورات الحكومة أمام اختبار حقيقي لقدرتها على تدبير الأزمات الاجتماعية والمهنية بالحوار والتوافق، خاصة في قطاع حساس كقطاع العدالة. فاستمرار الشلل قد يراكم مزيدا من الاحتقان ويؤثر على صورة البلاد ومؤسساتها، بينما قد يشكل الحوار الجاد فرصة لإعادة بناء الثقة وبلورة إصلاح متوازن يضمن استقلال المحاماة ويحقق في الوقت ذاته متطلبات التحديث.
وفي انتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة، يبقى الأكيد أن العدالة لا يمكن أن تستقيم دون محام مستقل وقاضٍ مستقل، ودون إرادة سياسية تضع مصلحة المواطنين فوق كل اعتبار. فحل الأزمة لا يمر عبر تبادل الاتهامات، بل عبر الجلوس إلى طاولة الحوار والبحث عن أرضية مشتركة تضمن كرامة المهنة واستمرارية المرفق القضائي في خدمة المجتمع.
التعليقات مغلقة.