الانتفاضة %%% سعيد ججي
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال في الحديث العظيم: “بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء.”
حينما نتأمل تآكل التدين، حتى لا نقول الدين، لأن هناك بونا شاسعا بين الدين والتدين..
التدين يتآكل في العيون، في العادات، في الإيقاع اليومي، في التفاصيل الصغيرة التي كانت يوما بديهية..
الدين باق إلى يوم القيامة، ثابت في جوهره، حاضر في نوره، ممتد في وعده، لكنه صار غريبا في المجال العام، غريبا في الذائقة الاجتماعية، غريبا في مخيال المدن المتسارعة..
صار التمسك به كأنك تمسك جمرة في كفّ عالم بارد..
صارت الاستقامة حالة نادرة..
صار الورع حدثا استثنائيا..
صار السكون الروحي غريبا وسط الضجيج..
صار من يعض على الدين بالنواجذ يُرى كأنه قادم من زمن آخر..
صار الالتزام عبئا في نظر الثقافة السائدة، التي أعادت هندسة المعايير، وأعادت تعريف الطبيعي، وأعادت ترتيب الأولويات..
من يراك تصلي في الخلاء حفاظا على صلاتك، يراك خارج المألوف..
من يراك تحافظ على وضوئك ، يراك متشددا في نظرهم..
من يراك تصوم غير رمضان، يراك عملة نادرة في سوق الشهوات..
من يراك تغض بصرك في زمن الاستعراض، يراك كأنك تقاوم تيارا جارفا..
من يراك ترفض الربا، ترفض الغش، ترفض الالتفاف الأخلاقي، يراك كأنك تعطل “المنطق الواقعي” للعصر..
من يراك تذكر الله في الطريق، يراك غريبا عن الإيقاع العام..
من يراك تستحي من المعصية كأنها نار، يراك حساسا أكثر من اللازم..
من يراك تترك مجلسا فيه استهزاء، فيه نميمة، فيه قبح مموّه، يراك متعاليا في أعينهم..
من يراك تختار الصمت بدل المشاركة في الانحدار الجماعي، يراك معقدا..
من يراك تحرص على الحلال في لقمة صغيرة، يراك متعبا لنفسك..
من يراك تبكي من خشية الله، يراك هشّا في مجتمعٍ يمجّد القسوة..
من يراك تقرأ القرآن في زاوية يومك، سينظر إليك بعين الريبة..
من يراك تستشهد بآية أو حديث، يراك قديما في زمن يعبد الجديد..
من يراك تضع الآخرة في حساباتك، يراك كأنك تعيش خارج السوق..
من يراك تسأل عن المعنى لا عن المكسب، يراك غريبا في اقتصاد الانتباه..
من يراك تبني داخلك بدل واجهتك، يراك استثناء في حضارة الصورة..
في الأزمنة السابقة كان التدين جزءا من الهواء..
أما اليوم فقد صار التدين موقفا وجوديا..
صار اختيارا مكلفا..
صار مقاومة رمزية ضد الابتذال..
صار صراعا مع الاستهلاك، مع التسليع، مع تسطيح الروح..
صار الإنسان المتدين الحقيقي كأنه يحمل هوية مضادة للتيار، كأنه يعيش في اغتراب أنطولوجي داخل مجتمعه..
الغربة هنا ليست عزلة جغرافية..
الغربة غربة المعنى..
غربة القيم..
غربة النقاء في زمن الرماد..
غربة الإيمان وسط تشظي اليقين..
غربة القلب حين يظل متعلقا بالسماء بينما الأرض تسحبه إلى الأسفل..
وفي زحمة هذا التآكل، يمرّ المتدين كأنه شاهد على عصر فقد بوصلته..
يمرّ كأنه تذكير بأن الإنسان ليس جسدا فقط..
يمرّ كأنه احتجاج صامت على الرداءة..
يمرّ كأنه ذاكرة روحية في زمن النسيان..
تتبدل المفاهيم..
تعاد صياغة الحياء كأنه ضعف..
تعاد صياغة العفة كأنها نقص..
تعاد صياغة الطهر كأنه عبء..
ويظل المؤمن الحقيقي واقفا في منطقة دقيقة، منطقة التوتر بين الفطرة والواقع، بين النور والضباب..
هناك لحظة يشعر فيها المتشبث بالدين أنه يسير وحده.لكن الوحدة هنا ليست فراغا..
إنها امتلاء مختلف..
إنها صحبة المعنى..
إنها حضور الله في قلب لا يصفق للتيه..
كما ينساب في الروح قوله تعالى:”أَلَا بِذكرِ اللَّه تَطْمئِنّ الْقلوب”
فتصير الطمأنينة إعلانا داخليا ضد الفوضى..
ولأن التاريخ يعيد دوراته، فإن هذه الغربة ليست نهاية..
إنها غربلة..
إنها امتحان الوعي..
إنها لحظة فرز بين التدين كعادة، والتدين كحقيقة..
بين المظهر والجوهر..
بين التدين الاستهلاكي والتدين الوجودي..
هنا يتسلل صوت مالك بن نبي في خلفية المشهد، حين تصبح الأزمة أزمة قابلية للفراغ، أزمة حضارة تفقد مناعتها الأخلاقية، أزمة مجتمع تتآكل فيه المعاني من الداخل بينما يلمع الخارج..
فالغريب اليوم ليس من يبتعد عن الناس..
الغريب من يقترب من الله في زمن الابتعاد..
الغريب من يحمل نورا في عصر يوزع الظلال..
الغريب من يظل وفيا للحق وسط سيولة القيم..
الغريب من يحرس قلبه من التلوث الرمزي، من الضجيج، من التفاهة، من تسليع الروح..
حقا عاد الإسلام غريبا كما بدأ..
وعاد المتدين الحقيقي استثناء في السردية العامة..
كأنه آخر حارس لمعنى قديم، معنى لا يشيخ..
كأنه شمعة في مهبّ الريح..
كأنه شاهد على أن الطريق إلى الله لا يقاس بالكثرة، بل بالصدق..
فطوبى للغرباء..
طوبى لمن يثبتون حين يتراجع الجميع..
طوبى لمن يختارون العمق حين يختار العالم السطح..
طوبى لمن يحملون الإيمان كحقيقة وجودية، لا كزينة اجتماعية..
طوبى لأولئك الذين يمشون في الأرض بخفة، وفي قلوبهم ثقل السماء..
التعليقات مغلقة.