المغرب يفعّل قانون المسطرة المدنية الجديد .. فما الذي تغير؟

0

الانتفاضة / إلهام أوكادير

بدأ العمل، اليوم الاثنين 24 غشت 2026، بالقانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية، إيذانًا بمرحلة جديدة في تنظيم التقاضي بالمغرب، بعد إنهاء مرحلة العمل بالنص الذي ظل يؤطر هذا المجال لأكثر من خمسين سنة، بموجب الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.74.447. هذا التحول الذي تبلور في إطار مراجعة واسعة، ستهدف تحديث آليات التقاضي والعدالة وجعلها أكثر انسجامًا مع متطلبات المرحلة الراهنة للمغرب.

إنّ ما يميز هذا القانون، قبل كل شيء، أنه لم يقتصر على إدخال تعديلات متفرقة، بل أعاد النظر في عدد من القواعد الإجرائية التي أظهرت الممارسة اليومية أنها أصبحت تعيق السير العادي للدعاوى، فمن بين أبرز الإشكالات التي سعى إلى معالجتها تعقيد المساطر، وطول آجال البت، وصعوبة التبليغ، والعراقيل التي تواجه تنفيذ الأحكام، إلى جانب محدودية توظيف الوسائل الرقمية في تدبير الملفات القضائية، فضلاً عن مراجعة قواعد الاختصاص وطرق الطعن والتنفيذ.

ومن بين المستجدات اللافتة في هذا الشأن، توسيع الدور الذي تضطلع به النيابة العامة داخل الخصومة المدنية، فالقانون منحها صلاحية الطعن بالبطلان في كل حكم يمسّ بالنظام العام، حتى في الحالات التي لا تكون فيها طرفًا في الدعوى الأصلية، كما أعفاها من التقيد بالآجال المعتادة للطعن في بعض الحالات التي حددها القانون.

وفي محاولة للحد من استغلال القضاء لأغراض المماطلة، وضع النص آليات جديدة لمواجهة التقاضي التعسفي، إذ أصبح بإمكان المحكمة الحكم بتعويض لفائدة المتضرر عندما يثبت أن الدعوى أو الطعن استُعمل بطريقة كيدية، مع إمكانية فرض غرامات مالية إذا ما تبين أن بعض الطعون أو التعرضات لم يكن الهدف منها سوى تعطيل تنفيذ الأحكام وإطالة أمد النزاع.

فالرهان الذي يحمله هذا الإصلاح يتجاوز مسألة معالجة بعض الاختلالات الإجرائية، إذ يرمي أيضًا إلى تبسيط مسار التقاضي والحد مما يوصف بـ”الهدر المسطري”، بما يسمح بتدبير الدعاوى بكفاءة أكبر وتسريع البت فيها أمام مختلف محاكم المملكة.

وفي الاتجاه نفسه، اختار المشرع توحيد المساطر الإجرائية المدنية والإدارية والتجارية المرتبطة بقضاء القرب داخل نص قانوني واحد، في خطوة تعكس توجهًا نحو تكريس مبدأي وحدة القضاء والتخصص، بما يضمن انسجامًا أكبر في تنظيم الإجراءات القضائية.

أما على مستوى توزيع الاختصاص، فقد أسند القانون للمحاكم الابتدائية النظر في مختلف القضايا المدنية والاجتماعية وقضايا الأسرة، بينما أوكل إلى الأقسام المتخصصة داخل هذه المحاكم مهمة الفصل في المنازعات ذات الطبيعة الإدارية والتجارية، حفاظًا على مبدأ التخصص.

ولم يغفل القانون القضايا ذات الطابع الدولي، حيث رسم الإطار الذي يحدد اختصاص المحاكم المغربية في النزاعات العابرة للحدود، مستندًا إلى قواعد القانون الدولي الخاص، في توجه يراد منه تعزيز الأمن القانوني وتوفير بيئة أكثر جاذبية للاستثمار.

وبخصوص رفع الدعاوى، فقد شدد النص على ضرورة تقييد الملفات في السجل المخصص لذلك وفق الترتيب الزمني للإيداع، مع تضمين بيانات أساسية تشمل هوية الأطراف، واسم المحامي عند الاقتضاء، وموضوع الدعوى، وتاريخ الاستدعاء، كما نظم مسطرة الطعن في قرارات رفض الاستفادة من المساعدة القضائية، بالنص على إحالة مقال الاستئناف إلى محكمة الدرجة الثانية داخل أجل ثمانية أيام، طبقًا لأحكام المادة 43.

وفي جانب تسوية النزاعات، منح القانون مساحة أكبر للحلول الودية، إذ أصبح بإمكان المحكمة أن تعرض الصلح من تلقاء نفسها في أي مرحلة من مراحل الدعوى، على أن يثبت الاتفاق في حكم غير قابل لأي طعن، في خطوة تروم تشجيع إنهاء النزاعات دون مواصلة التقاضي.

أحد أكبر التحولات التي جاء بها النص تتمثل في الانتقال إلى الرقمنة بشكل أوسع، حيث خصص القانون بابًا مستقلًا للإجراءات الرقمية، أتاح من خلاله إيداع المقالات والمذكرات والطعون عبر منصات إلكترونية موحدة وآمنة، مع اعتماد التوقيع الإلكتروني والتبادل اللامادي للوثائق، إلى جانب إلزام الجهات المختصة بتوفير بنية تقنية، تكفل حماية المعطيات الشخصية وتضمن الحجية القانونية للإجراءات الرقمية.

وقد امتدت هذه المقتضيات أيضًا إلى نظام التبليغ، حيث أصبح التبليغ الإلكتروني معترفًا به قانونًا، فضلا عن منحها المراسلات الموجهة إلى الحسابات المهنية للمحامين حجيتها القانونية، كما اعتُمدت البطاقة الوطنية الإلكترونية مرجعًا احتياطيًا عند تعذر التبليغ في العنوان المصرح به.

وفي المقابل، ألزم القانون أشخاص القانون العام بالتصريح بعناوينهم الإلكترونية، بينما منح الأشخاص الذاتيين والمعنويين من القطاع الخاص حرية اختيار هذا النمط من التبليغ.

أما على مستوى القضاء الاستعجالي، فقد وسع القانون من هامش التدخل في الحالات القصوى، إذ أجاز إصدار الأوامر دون استدعاء الخصم عندما تفرض حالة الاستعجال ذلك، مع تحديد أجل استئناف هذه الأوامر في خمسة عشر يومًا، كما عزز صلاحيات قاضي التنفيذ، وفتح المجال أمام الاستفادة من المنصة الرقمية للبحث عن أموال المنفذ عليه وتتبع مسطرة التنفيذ، فضلًا عن إتاحة البيع عبر منصة إلكترونية.

جدير بالذكر أنه وقبل دخول هذا القانون حيز التطبيق، أصدرت كل من وزارة العدل، والمجلس الأعلى للسلطة القضائية، والوكالة القضائية للمملكة دوريات توضيحية تضمنت توجيهات عملية بشأن كيفية تنزيل المقتضيات الجديدة، بما يضمن انتقالًا سلسًا نحو العمل بالإطار القانوني الجديد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.