هل كانت عقوبات الكاف رياضية أم سياسية؟ ومن ربح منها؟

الانتفاضة

ربما تفاجأ كثيرون بالعقوبات التي أصدرتها الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم (الكاف) في حق المنتخبين المغربي والسنغالي عقب النهائي المثير. وقد غذّت الأجواء المشحونة، وارتفاع منسوب العاطفة، توقعات ذهبت بعيداً نحو سيناريوهات قصوى، من قبيل سحب اللقب أو فرض عقوبات مغلّظة تُغيّر نتيجة المباراة أو تُعيد رسم المشهد من جديد. غير أن هذه التوقعات، وإن كانت مفهومة في سياق الاحتقان، ظلت أقرب إلى الأماني المستحيلة منها إلى القراءة الواقعية لطبيعة المؤسسة الكروية الإفريقية وحدود قراراتها.

رياضة أم سياسة؟

السؤال الذي شغل الرأي العام لم يكن حول حجم العقوبات بقدر ما كان حول طبيعتها: هل نحن أمام قرارات رياضية خالصة أم تسويات سياسية بلبوس رياضي؟ الواقع أن الكاف، كغيرها من الاتحادات القارية، لا تشتغل في فراغ. قراراتها تتقاطع فيها القوانين الرياضية مع توازنات النفوذ، وحسابات الاستقرار الداخلي، والخشية الدائمة من الانقسام داخل منظمة توصف أصلاً بالهشاشة.

من هذا المنظور، تبدو العقوبات الصادرة أقرب إلى حل وسط: لا هي متساهلة إلى حد فقدان المصداقية، ولا هي صارمة إلى درجة تفجير صراعات داخلية أو فتح باب التأويلات السياسية على مصراعيه. الكاف اختارت منطق “إطفاء الحريق” بدل صبّ الزيت عليه.

ماذا كان سيخسر المغرب لو غُلِّظت العقوبات؟

قد يبدو للوهلة الأولى أن المغرب كان سيستفيد من عقوبات أقسى في حق السنغال، لكن قراءة أعمق تكشف العكس. فأي قرار مغلّظ ضد منتخب وازن قارياً مثل السنغال كان سيُقرأ – ظلماً أو عدلاً – على أنه نتيجة ضغط مغربي أو توظيف للنفوذ داخل أروقة الكاف. وهو اتهام كان سيُدخل المغرب في دوامة توتر دبلوماسي ورياضي نحن في غنى عنها.

المغرب اليوم لاعب مركزي في القارة، لا فقط كروياً، بل سياسياً وتنظيمياً، خاصة مع رهانات كبرى من قبيل تنظيم تظاهرات قارية وعالمية. في هذا السياق، لا يعقل أن تُقايَض المصالح الإستراتيجية الكبرى بمكاسب ظرفية، لا تبني نفوذاً مستداماً.

من ربح من هذه العقوبات؟

إذا ما قُرئت العقوبات بهدوء، سنجد أنها ربح نسبي لجميع الأطراف:

الكاف ربحت تجنب انقسام داخلي جديد داخل منظمة تعاني أصلاً من هشاشة بنيوية وتوازنات دقيقة بين أقطابها.

السنغال حافظت على صورتها كمنتخب وازن ومشروع كروي تنافسي في القارة، دون أن تُحمَّل مسؤولية أخلاقية أو رياضية ثقيلة تُلازمها لسنوات.

المغرب خرج بأقل الأضرار، دون أن يُزجّ به في موقع “المتآمر” أو “المستفيد الخفي”، وحافظ على خطه الإستراتيجي القائم على بناء النفوذ الهادئ لا الصدامي.

الخلاصة

ليست كل معركة تُربح بالصراخ، ولا كل قرار عادل هو ذاك الذي يُشبع الغضب الشعبي. أحياناً، تكون البرودة في التقدير، والقبول بحلول وسط، هي عين الحكمة. عقوبات الكاف قد لا تُرضي العاطفة، لكنها – في ميزان المصالح – بدت أقرب إلى تسوية عقلانية جنّبت الجميع خسائر أكبر.

وفي زمن تتشابك فيه الرياضة بالسياسة، يصبح الانتصار الحقيقي هو ذاك الذي يحفظ الموقع، ويؤمّن المستقبل، حتى وإن خسر جولة من جولات الانفعال الآني.

التعليقات مغلقة.