الانتفاضة %%% سعيد ججي
حينما تمرّ على بعض التعليقات الجزائرية، تشعر كأن الكلمات لا تُكتب بقدر ما تُرمى، كأنها حجارة صغيرة تُقذف من خلف شاشات، محمّلة بتصورات جاهزة، ترى المغربي ككائن يفطر بالمخدرات، ويتغذى بها، ويتعشى بها، كأن اليوم عندنا يبدأ برائحة الممنوعات وينتهي بها، كأن البيوت صارت أفرانا سرية، وكأن الشاي لم يعد يُشرب إلا مرفوقا بشريحة من “زطلة”….
لا يعرفون أن كلمة مخدرات هنا في المغرب ثقيلة، لها وزن الحديد، لها صوت المفاتيح داخل المراكز، لها زمن بطيء يقاس بالأشهر والسنوات خلف الزنازين فوق الاسفلت البارد ، وأن غراما واحدا قادر على أن يجرّ صاحبه إلى مسار لا يشبه ما قبله، مسار يُغيّر النظرات، يبدّل الوجوه، يزرع الحذر في الجيوب، ويجعل الخطوة محسوبة، والكلمة مقتصدة، والليل أطول مما ينبغي…
يتخيلون أن المخدرات تُخبز كما يُخبز الخبز، تُعجن مع الفجر، تُرصّ على الطاولات، تُؤكل مع الشاي مثل الشريحة أيام العيد، صورة كاريكاتورية، مشهد ساخر، لا علاقة له بحياة الناس، بحياة الفلاح الذي يستيقظ على البرد، باليد المتشققة، بالخبز اليابس، بالعافية التي تُستنزف في الحقول، وبالخوف المزمن من سقطة واحدة…
حتى قنينة الخمر، تلك التي يتحدثون عنها وكأنها متاحة لكل عابر، لا تُنال إلا بمعرفة، بعلاقات، بصعود شاق نحو “الݣراب”، بمسالك تتلوى بين الجبال، بوديان تُقطع بحذر، بمغامرة لا تشبه اللهو، فكيف بالمخدرات، وكيف بالكميات، وكيف بالعبور، وكيف بالحدود التي لا تنام..
في خيالهم، أن المغربي يستيقظ صباحا، يخبز عشرين كيلوغراما من الحشيش ، يلفّها بهدوء، يترصد لحظة صمت، ويتسلل عبر الحدود، كأن الأرض رخوة، وكأن العيون مغلقة، وكأن الخوف ترف، بينما الواقع يعرف تفاصيل أدق، يعرف معنى أن يُعثر على غرام واحد في الجيب، معناه أنك “ستصرط البيض بقشوره”…
أيها الجزائريون، ارحموا عقولنا من هذه الصور الثقيلة، نحن لا نخبز المخدرات، ولا نعجن الممنوعات، ولا نعيش كما تتخيلون في وليمة دائمة من الانحراف، ولو كانت الحكاية كما تُروى في التعليقات لما خرج هذا العدد الهائل من الناس إلى المنافي، يحملون حقائب صغيرة، وأحلاما أكبر من قدرتهم على الاحتمال…
في تفاصيل الحياة اليومية، في الصمت الطويل، في التعب المتراكم، في الرغبة البسيطة في العيش بسلام، تختبئ الحقيقة، تلك التي كتب عنها عبد الرحمن منيف حين جعل الإنسان العربي يمشي مثقلا بالأسئلة أكثر من الخطايا، وتلك التي لمحها ميشيل فوكو في علاقة الجسد بالخوف، بالجدار، بالمراقبة…
كفاكم هراء، فالأوطان لا تُختزل في تعليق، والناس لا يُفهمون عبر صورة مشوهة، والحياة هنا، بكل بساطتها وقسوتها، أبعد بكثير من هذا الوهم السريع…
وتبقى الخاتمة أبسط مما تظنون، وأقسى مما يقال.
ما تنطقون به في كثير من هذه التعليقات ليس معرفة ولا تجربة ولا معايشة، بل تخدير إعلامي رسمي واسع، سردية جاهزة جرى حقنها في الوعي اليومي، حتى صار العدو المجاور ضرورة نفسية، وصارت المخدرات شماعة تُعلّق عليها كل الأسئلة المؤجلة. هكذا تم غسل الدماغ بهدوء، أُفرغ من تعقيده، واستُبدل بصورة عدو وهمي قيل لكم إنه أغرقكم بالمخدرات، فصدقتم الحكاية كما تُصدق الأساطير حين تُروى كثيرا…
لكن السؤال يظل واقفا، ثقيلا، لا يحتاج إلى تحليل طويل. إذا كنا نغرقكم بالمخدرات، فلماذا الحدود مغلقة؟ ومن أي شقوق تتسلل هذه السموم؟ ومن أي فراغ تعبر؟ بينما تعلنون امتلاك جيش لا يُقهر، وأجهزة يقظة، وحدود محروسة بالحديد والنار. أي مخدر هذا الذي يعبر دون أن يُرى، وأي يد هذه التي لا تُمسك، وأي عدو هذا الذي لا يظهر إلا في نشرات الأخبار؟
وحين تقولون إن المغاربة يغرقونكم بالمخدرات، فأنتم، من حيث لا تشعرون، تعترفون بأن أمنكم الداخلي، وبأن حدودكم، أوهن من بيت العنكبوت، تُخرق بالحكايات أكثر مما تُخرق بالواقع. وهنا لا تعود المشكلة في جار متخيل، بل في قصة صيغت لتريح الضمير، وتؤجل مواجهة الأسئلة الحقيقية، تلك التي لا تُخدَّر بالشعارات، ولا تُسكَت باتهام الآخر….
وتحية عالية لحرائر وأحرار الجزائر الذين سيفهمون هذا الكلام بعيدا عن الغوغاء والرعاع الذين غسلت ادمغتهم.
التعليقات مغلقة.