الأمن المائي بين النص الإجرائي والواقع القضائي: دور النيابة العامة في حماية الملك العمومي المائي.

0

الانتفاضة/ بقلم: حبيل رشيد

يشكل الأمن المائي بالمملكة المغربية أحد المرتكزات الأساسية للأمن الاستراتيجي الوطني، بالنظر إلى الارتباط الوثيق بين الموارد المائية ومتطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. وقد أضحى تدبير الماء خلال السنوات الأخيرة قضية ذات بعد سيادي، تفرض على الدولة اعتماد مقاربة قانونية ومؤسساتية دقيقة قوامها الحماية التشريعية والرقابة القضائية والزجر الإداري والجنائي، خاصة في ظل تزايد الضغوط المناخية وتوالي سنوات الجفاف وارتفاع الطلب على الموارد المائية السطحية والجوفية.

وفي هذا الإطار، تدخل المشرع المغربي عبر القانون رقم 36.15 المتعلق بالماء، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.16.113 بتاريخ 6 ذي القعدة 1437 الموافق لـ10 غشت 2016، والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 6494 بتاريخ 25 غشت 2016، بهدف إعادة هيكلة المنظومة القانونية المؤطرة للمجال المائي، وتعويض القانون رقم 10.95 الذي أصبح عاجزا عن مواكبة التحولات المناخية والديمغرافية والاقتصادية التي يعرفها المغرب. وقد اعتمد القانون الجديد على فلسفة قانونية حديثة ترتكز على مبادئ التدبير المندمج للموارد المائية، والتخطيط اللامركزي، وحماية الملك العمومي المائي، وربط المسؤولية بالمحاسبة في مجال الاستغلال المائي.

ويكتسي هذا القانون أهمية دستورية بالنظر إلى ارتباطه بالفصل 31 من دستور المملكة المغربية، الذي ألزم الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية بتعبئة الوسائل المتاحة لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين من الحق في الماء والعيش في بيئة سليمة. ومن ثم، فإن حماية الموارد المائية لم تعد مجرد اختصاص إداري تقني، وإنما أصبحت التزاما دستوريا وقانونيا يفرض على السلطات العمومية، وفي مقدمتها السلطة القضائية، التدخل لضمان احترام القواعد المنظمة للملك العمومي المائي.

ويعتبر الملك العمومي المائي من الأملاك العامة التي تخضع لنظام قانوني خاص، بالنظر إلى طبيعته الحيوية وارتباطه بالمصلحة العامة. وقد نصت المادة الثالثة من القانون رقم 36.15 على أن الملك العمومي المائي يشمل مجموع الأملاك المائية والأملاك المرتبطة بالماء، سواء كانت طبيعية أو اصطناعية، بما في ذلك المياه السطحية والجوفية والمنشآت المائية والسدود والقنوات والتجهيزات المرتبطة باستعمال الموارد المائية. ويترتب عن هذا التصنيف خضوع هذه الأملاك لمبدأ عدم القابلية للتفويت أو التملك الخاص خارج الأطر القانونية المحددة.

وفي مقابل هذا التنظيم القانوني، يواجه الواقع العملي عدة اختلالات مرتبطة بالاستغلال غير المشروع للمياه، سواء من خلال حفر الآبار غير المرخصة، أو الاستغلال المفرط للفرشات المائية، أو تلويث المياه السطحية والجوفية، أو الاعتداء على المنشآت المائية، وهو ما أدى إلى تنامي الحاجة إلى تدخل مؤسساتي وقضائي فعال لضبط هذه المخالفات وردع مرتكبيها.

وفي هذا السياق، تضطلع النيابة العامة بدور محوري في حماية الملك العمومي المائي باعتبارها الجهة المكلفة بتحريك الدعوى العمومية والسهر على تطبيق القانون. فالقانون رقم 36.15 لم يكتف بإقرار قواعد تنظيمية لتدبير الماء، وإنما وضع آليات زجرية وقضائية تروم حماية الموارد المائية من مختلف أشكال الاعتداء والاستغلال غير المشروع. وقد خول المشرع للنيابة العامة صلاحيات مهمة في مجال الإشراف على الأبحاث والمتابعات المتعلقة بالمخالفات المائية، وذلك في إطار الاختصاصات المخولة لها بموجب قانون المسطرة الجنائية.

وتنص المادة 131 من القانون رقم 36.15 على أن معاينة مخالفات قانون الماء يعهد بها إلى ضباط الشرطة القضائية وأعوان شرطة المياه المحلفين والمؤهلين قانونا للقيام بهذه المهام. ويشمل ذلك الوكيل العام للملك ووكيل الملك وقضاة التحقيق وضباط الشرطة القضائية ذوي الاختصاص العام، إضافة إلى الأعوان التابعين للإدارة ووكالات الأحواض المائية والمؤسسات العمومية المكلفة بمهام شرطة المياه.

ويبرز من خلال هذا المقتضى أن المشرع المغربي اعتمد مقاربة مزدوجة في مجال حماية الملك العمومي المائي، تقوم على التكامل بين الشرطة القضائية ذات الاختصاص العام وشرطة المياه ذات الاختصاص التقني الخاص، وذلك بهدف ضمان فعالية أكبر في رصد المخالفات المائية ومعاينتها وإثباتها. ويؤكد هذا التوجه الطبيعة الخاصة للجرائم المرتبطة بالماء، باعتبارها جرائم تقنية تستوجب خبرة قانونية وتقنية متخصصة.

وقد منح القانون لأعوان شرطة المياه صلاحيات واسعة تشمل ولوج المنشآت المائية والآبار والأثقاب وأخذ العين…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.