محكمة الاستئناف تلغي إدانة بلقايد وبنسليمان في ملف غسيل الأموال

0

الانتفاضة/ شاكر ولد الحومة

أسدلت غرفة الجنايات الاستئنافية المكلفة بجرائم الأموال، يوم الثلاثاء 26 ماي الجاري، الستار على واحد من أبرز الملفات القضائية التي شغلت الرأي العام بمدينة مراكش خلال السنوات الأخيرة، بعدما أصدرت حكما يقضي ببراءة العمدة السابق للمدينة محمد العربي بلقايد ونائبه يونس بنسليمان من التهم المرتبطة بملف “غسيل الأموال”، وذلك عقب مسطرة ما بعد النقض، لتنتهي بذلك رحلة قضائية طويلة اتسمت بالتقلبات في الأحكام والمواقف القانونية داخل مختلف درجات التقاضي.

ويعتبر هذا الحكم تحولا لافتا في مسار القضية، خاصة بعدما سبق للمحاكم أن أصدرت أحكاما بالإدانة في حق المسؤولين الجماعيين السابقين، قبل أن تتدخل محكمة النقض وتعيد الملف إلى المناقشة من جديد أمام هيئة قضائية أخرى، لتنتهي الجلسات الأخيرة بقرار يقضي بعدم مؤاخذتهما والحكم ببراءتهما الكاملة من المنسوب إليهما.

ووفق منطوق القرار القضائي الجديد، فقد قضت الهيئة بقبول الاستئناف من حيث الشكل، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف الذي سبق أن أدان المتهمين، مع التصريح من جديد ببراءتهما، إلى جانب تأييد الحكم الابتدائي في باقي مقتضياته، وتحميل الخزينة العامة صائر الدعوى، ما يعني إسقاط العقوبات السجنية والغرامات المالية التي كانت قد صدرت خلال مراحل سابقة من المحاكمة.

هذا القرار القضائي البات يحمل الرقم 2026/2416/2، ويضع حدا لواحد من الملفات التي أثارت اهتماما واسعا داخل الأوساط السياسية والحقوقية بمدينة مراكش، بالنظر إلى طبيعة التهم المرتبطة بجرائم الأموال، وكذلك بحكم المكانة السياسية التي كان يشغلها محمد العربي بلقايد باعتباره عمدة سابقا للمدينة وواحدا من أبرز الوجوه السياسية التي تولت تدبير الشأن المحلي خلال الولاية السابقة.

وكانت القضية قد عرفت مسارا قضائيا معقدا امتد لسنوات، حيث شهدت عدة جلسات ومرافعات وأحكام متباينة بين مرحلتي الابتدائي والاستئناف، قبل أن تصل إلى محكمة النقض. ففي ماي 2024، سبق لغرفة الجنايات الاستئنافية أن أيدت حكما ابتدائيا في الملف، قبل أن تعرف القضية منعطفا جديدا في أواخر يناير 2026، حين صدر حكم يقضي بالسجن النافذ لمدة سنتين في حق كل من بلقايد وبنسليمان، مع غرامة تضامنية قدرت بـ400 مليون سنتيم.

وقد أثار ذلك الحكم حينها نقاشا واسعا في الأوساط المحلية والوطنية، خاصة وأن الملف ارتبط بتدبير الشأن المحلي بمدينة مراكش وباتهامات ذات طابع مالي وإداري، الأمر الذي جعل القضية تحظى بمتابعة كبيرة من طرف الرأي العام ووسائل الإعلام.

ولعبت محكمة النقض دورا محوريا في تغيير مسار الملف، بعدما قررت إعادة النظر في القضية، بناء على الطعن الذي تقدم به دفاع المتهمين. وخلال جلسات إعادة المناقشة، ركز الدفاع على ما اعتبره غيابا للأدلة الكافية التي تثبت تهم غسيل الأموال، إلى جانب الدفع بوجود اختلالات في التكييف القانوني للوقائع موضوع المتابعة.

كما شدد الدفاع على أن الوقائع المرتبطة بالقضية تدخل في إطار تدبير الشأن العام المحلي، ولا تتوفر فيها الأركان القانونية الكافية لقيام جريمة غسل الأموال كما ينص عليها القانون المغربي، وهو ما انتهت إليه الهيئة القضائية بعد دراسة الملف والوثائق والمعطيات المرتبطة به، لتقرر في النهاية التصريح ببراءة المتهمين.

وخلف القرار القضائي ارتياحا داخل محيط المتابعين وداعميهما، خاصة داخل بعض الأوساط السياسية المحلية بمراكش، حيث اعتبر متابعون أن الحكم أعاد الاعتبار للمعنيين بالأمر بعد سنوات من الجدل والمتابعة القضائية. كما رأى آخرون أن القضية شكلت اختبارا حقيقيا لاستقلالية القضاء ولمبدأ قرينة البراءة باعتباره أساسا من أسس المحاكمة العادلة.

ويحمل هذا الحكم أيضا دلالات قانونية مهمة، إذ يعكس دور القضاء في إعادة تقييم الملفات بناء على الأدلة والمعطيات القانونية بعيدا عن أي اعتبارات أخرى، كما يؤكد أهمية درجات التقاضي المختلفة في ضمان حقوق المتقاضين وتمكينهم من جميع وسائل الدفاع القانونية المتاحة.

ويرى مهتمون بالشأن القانوني أن قرار البراءة لا يلغي أهمية محاربة الفساد ومراقبة تدبير المال العام، لكنه يبرز في المقابل ضرورة التوفر على أدلة دقيقة وقوية لإثبات الجرائم المالية المعقدة، خاصة تلك المرتبطة بتدبير الجماعات الترابية والصفقات العمومية.

وبهذا الحكم، يكون القضاء قد طوى صفحة واحدة من أبرز القضايا التي استأثرت باهتمام الرأي العام المراكشي خلال السنوات الأخيرة، بعد مسار قضائي طويل تخللته أحكام متباينة ونقاشات واسعة، لتنتهي القضية بقرار البراءة الذي أعاد التأكيد على أن القضاء يظل الجهة الوحيدة المخول لها الحسم في القضايا الجنائية وفقاً لما يتيحه القانون من ضمانات وإجراءات تكفل تحقيق العدالة وصون حقوق جميع الأطراف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.