الانتفاضة &&& زكرياء نمر
ليست القبلية ظاهرة طارئة على مجتمعات ما بعد الاستعمار، ولا هي استثناء سودانيا أو جنوب سودانيا، بل هي بنية اجتماعية تاريخية كان يمكن أن تتحول الى رصيد ثقافي إنساني، لو وجد مشروع وطني قادر على استيعابها وتجاوزها.
غير أن ما حدث هو العكس تماما تحولت القبلية إلى أداة صراع سياسي، وإلى الية لإعادة إنتاج السلطة والعنف، وكان للنخبة الدور الأبرز في هذا التحول.
السؤال الحقيقي إذن ليس لماذا المجتمع قبلي؟
بل لماذا فشلت النخبة، بوصفها عقل المجتمع وضميره المفترض، في إنتاج وعي يتجاوز القبلية؟
أحد أكبر أوهام الخطاب السياسي السائد هو الاعتقاد بأن النخبة خرجت من رحم الدولة الحديثة، بينما الواقع يشير إلى أنها خرجت من رحم البنية القبلية ذاتها.
النخبة لم تنتج نفسها بوصفها طبقة فكرية مستقلة، بل كوكلاء متعلمين لجماعاتهم التقليدية. التعليم، في كثير من الحالات، لم يكن اداة تحرر من العصبية، بل وسيلة لتطوير ادواتها.
تحول المتعلم إلى أبن القبيلة المتعلم لا إلى مواطن حر، فحمل معه منطق الجماعة الى مؤسسات الدولة، وأعاد إنتاجه بلغة جديدة.
وهكذا انتقلت القبلية من شكلها الخام إلى شكلها المؤدلج، دون أن تفقد جوهرها الإقصائي.
لا يمكن تجاوز القبلية دون مشروع فكري وطني يعيد تعريف الانتماء.
غير أن النخبة لم تنتج هذا المشروع، بل اكتفت بشعارات عامة عن الوحدة والمصالحة، دون أن تخوض في الاسئلة العميقة ما هي الدولة؟
ما هو معنى المواطنة؟
ما هو العقد الاجتماعي في مجتمع متعدد الهويات؟
بدل انتاج نظرية محلية للتماسك الاجتماعي، لجأت النخبة الى استيراد مفاهيم جاهزة من تجارب اخرى، دون وعي بالسياق المحلي.
فبدأ الخطاب الوطني معلقا في الهواء، لا يمس الواقع الاجتماعي ولا يخاطب جذور الصراع.
تعاملت النخبة مع القبلية كخطيئة أخلاقية، لا كبنية اجتماعية سياسية.
دانتها في الخطب والندوات، لكنها لم تحلل شروط إنتاجها ولا آليات إعادة انتاجها.
هذا التحول من التحليل الى الوعظ جعل خطاب النخبة عاجزا عن إحداث أي تغيير حقيقي فالقبلية لا تهزم بالادانة، بل بتغيير شروط السلطة والاقتصاد والتمثيل.
والنخبة، لأنها مستفيدة من هذه الشروط، فضلت الادانة اللفظية على التفكيك العملي.
بدل أن تكون النخبة وسيطا عقلانيا بين الدولة والمجتمع، تحولت الى سمسار صراع، يستثمر في الخوف والذاكرة الجريحة.
غذت سرديات المظلومية، واعادت انتاج التاريخ بوصفه مخزون كراهية لا مادة للتعلم.
في هذا الواقع، لم تعد القبلية عائقا امام النخبة، بل موردا سياسيا يستخدم عند الحاجة، ويدان عند الضرورة الخطابية.
هذا الاستخدام النفعي دمر أي امكانية لثقة مجتمعية في خطاب النخبة.
ما فعلته النخبة هو تحويل الهوية الى اداة صراع صفري. لم تطرح الهوية بوصفها تعددا إنسانيا داخل وطن واحد، بل بوصفها حدودا صلبة بين جماعات متنافسة. وهكذا تم تفكيك الوطن الى حصص رمزية ومادية، واصبحت الدولة غنيمة لا اطارا جامعا.
في هذا الواقع، لم تعد المواطنة حقا متساويا، بل امتيازا تفاوضيا، يمنح ويسحب وفق موازين القوة القبلية.
كل مشروع تحرري يبدا بنقد الذات، لكن النخبة رفضت هذا المسار. مارست نقدا عموديا للمجتمع، ونقدا افقيا للخصوم، لكنها لم تمارس نقدا داخليا لدورها ومصالحها.
وبدون هذا النقد، تحولت الى جزء من الازمة لا اداة لحلها. ان النخبة التي لا تعترف بتورطها في اعادة انتاج القبلية، لا يمكن ان تقود مشروعا لتجاوزها. لم يكن التعليم الذي انتج النخبة تعليما تحرريا، بل تعليما وظيفيا. ركز على الشهادات لا على التفكير النقدي، وعلى الامتثال لا على السؤال.
وهكذا خرجت نخبة تعرف كيف تدير الخطاب، لكنها لا تعرف كيف تنتج المعرفة.هذا النمط من التعليم انتج وعيا هشا، سريع الانزلاق إلى العصبية عند أول اختبار سياسي أو أمني.
لا يمكن تحميل النخبة وحدها مسؤولية الفشل دون الإشارة إلى غياب الدولة العادلة.
غير أن النخبة، بدل أن تناضل لبناء هذه الدولة، تكيفت مع غيابها، واستثمرت في هشاشتها.
وهكذا أصبحت الدولة ضعيفة لأن من يفترض بهم تقويتها وجدوا مصلحتهم في ضعفها.
نتيجة هذا الفشل المركب، تشكل وعي عام مشوه، يرى السياسة امتدادا للقبيلة، والدولة ساحة صراع لا أفقا مشتركا.
وبهذا المعنى، لم تعد القبلية مجرد موروث اجتماعي، بل اصبحت إيديولوجيا سياسية كاملة.
تجاوز القبلية لا يبدا من المجتمع، بل من النخبة نفسها. من اعترافها بتورطها، وتخليها عن امتيازاتها، وإعادة تعريف دورها بوصفها منتجا للمعرفة لا وسيطا للمصالح.
نحتاج إلى نخبة تفكر ضد نفسها، وتضع المجتمع قبل الجماعة، والفكرة قبل الهوية.
بدون ذلك، ستظل القبلية اقوى من الدولة، لان من يفترض بهم هزيمتها هم أول حراسها.
إن فشل النخبة في إنتاج وعي يتجاوز القبلية ليس فشلا عارضا، بل نتيجة مسار طويل من التواطؤ، والكسل الفكري، والارتهان للمصلحة.
ولا يمكن الخروج من هذا المأزق دون قطيعة جذرية مع هذا المسار، تبدأ من العقل قبل السياسة، ومن النقد قبل المصالحة.
فالوعي لا يمنح، بل ينتج. والنخبة التي تعجز عن إنتاجه، تفقد حقها في قيادة المجتمع.
التعليقات مغلقة.