الانتفاضة €€ أحمد موحى
دراسات نفسية تعتبر التفاعل مع مباراة كروية مصيرية ليس مجرد “تشجيع”، بل كحالة من الاندماج الهوياتي ، حيث يذوب الفاصل النفسي بين “الأنا” و”الفريق”. في تلك التسعين دقيقة، لا يشاهد المشجع لاعبين يركضون، بل يشاهد جزءاً من كرامته، طموحه، وخيباته يركض على العشب.
هذا التماهي الكامل يُدخل الدماغ والجسم في حالة طوارئ قصوى، مما يفرز مجموعة من المخاطر النفسية والعصبية التي يمكن تلخيصها فيما يلي:
1. العاصفة الكيميائية العصبية (Neurochemical Storm)
عند مشاهدة مباراة حاسمة، يعجز الدماغ البدائي (Amygdala) عن التمييز بين “خطر حقيقي” يهدد البقاء وبين “مباراة كرة قدم”.
فيض الكورتيزول والأدرينالين: يغرق الجسم بهرمونات التوتر (القتال أو الهروب). المشكلة هنا هي غياب التصريف الحركي؛ أنت جالس ولا تركض، مما يجعل هذه السموم الكيميائية تتراكم في الأوعية الدموية وتضغط على الأعصاب، مسببة تشنجات عضلية، صداعاً، وارتفاعاً حاداً في ضغط الدم.
تذبذب الدوبامين: مع كل فرصة ضائعة أو هدف، يرتفع الدوبامين (هرمون المكافأة) وينخفض بحدة. هذا التذبذب العنيف يشبه تأثير المواد المخدرة، ويؤدي إلى إرهاق المستقبلات العصبية، مما يفسر حالة “الخواء” أو الاكتئاب المؤقت بعد انتهاء المباراة، بغض النظر عن النتيجة.
2. متلازمة “القلب المنكسر” والمخاطر القلبية
عصبياً، يرتبط الدماغ بالقلب عبر الجهاز العصبي المستقل. الانفعال الشديد قد يؤدي إلى:
اعتلال عضلة القلب الإجهادي (Takotsubo Cardiomyopathy): المعروف بمتلازمة القلب المنكسر، حيث يضعف ضخ القلب فجأة بسبب تدفق هرمونات التوتر، محاكياً أعراض النوبة القلبية.
اضطراب نظم القلب: التوتر الشديد قد يسبب تسارعاً غير طبيعي في ضربات القلب، وهو خطر حقيقي لمن لديهم استعداد وراثي أو أمراض كامنة، وقد سُجلت حالات عالمية لوفيات مشجعين بسكتات قلبية أثناء ركلات الترجيح تحديداً.
3. التماهي النرجسي واهتزاز الذات
نفسياً، الخطر الأكبر يكمن في ربط المشجع لقيمته الذاتية بنتيجة المباراة.
انهيار الأنا (Ego Collapse): الخسارة لا تُفسر على أنها هزيمة لفريق رياضي، بل كإهانة شخصية وفشل ذاتي. هذا يؤدي إلى نوبات غضب عارمة، شعور بالعار، ورغبة في الانعزال.
العدوانية المنزاحة (Displaced Aggression): العجز عن التأثير في النتيجة يولد إحباطاً شديداً قد يتحول إلى عنف موجه نحو أقرب الناس (الأسرة) أو الممتلكات، كوسيلة بدائية لاستعادة الشعور بـ “السيطرة”.
4. الإجهاد المعرفي (Cognitive Strain)
التركيز المفرط لمدة ساعتين مع التحليل المستمر لكل حركة يستهلك طاقة الدماغ (الجلوكوز) بشكل هائل.
ظاهرة “نفق الرؤية”: يضيق أفق التفكير ويصبح الشخص غير قادر على رؤية الأمور بنسبية (أنها مجرد لعبة). هذا الانغلاق يرفع من حدة التعصب ويعطل التفكير المنطقي.
نصائح وقائية من المنظور النفسي:
لتقليل هذه المخاطر، يجب ممارسة ما نسميه “فك الارتباط العاطفي المؤقت” (Emotional Detachment):
ذكر نفسك بصوت مسموع: “أنا لست اللاعب، النتيجة لا تغير واقعي المعيشي”.
تجنب المشاهدة وحيداً؛ وجود صحبة يخفف من حدة التوتر عبر تفريغه في الأحاديث.
تحرك أثناء المشاهدة لحرق الأدرينالين المتراكم..
أحمد موحى
التعليقات مغلقة.