من وهم الشراكة إلى صدمة التخلي: دروس النفعية الأمريكية من الجنوب إلى أوروبا

الانتفاضة // مصطفى المانوزي

تشكل التطورات الأخيرة في الموقف الأمريكي تجاه حلفائها التقليديين لحظة تنوير استراتيجي كاشفة، لا لأنها تمثل انقلابًا في السياسة الأمريكية، بل لأنها تفضح قاعدة ثابتة حكمت سلوك واشنطن طوال العقود الثلاثة الماضية: العلاقات التي تقودها الولايات المتحدة ليست تحالفات مبدئية دائمة، بل معاملات نفعية مؤقتة تُدار بمنطق الكلفة والجدوى. ما تعيشه أوروبا اليوم لا يشكل استثناءً، بل يندرج ضمن تطبيق متسق لمنهج جُرِّب بكثافة في دول “الجنوب العالمي” منذ سقوط جدار برلين وإبرام توافق واشنطن سنة 1989.
فالسلوك الأمريكي الراهن ليس انحرافًا عن المسار، بل كشفًا صريحًا للقاعدة غير المعلنة: الولاء الأمريكي مشروط باستمرار المنفعة الاستراتيجية أو الاقتصادية الملموسة. وما يحدث اليوم مع أوروبا هو إعادة إنتاج، بلغة دبلوماسية أكثر تهذيبًا، لنموذج “الاستعمال ثم التخلي” الذي خبرته دول عديدة في العالم الثالث، وإن اختلفت درجة الصدمة وحدّة الخطاب.
ففي مرحلة ما بعد الحرب الباردة، جرى تسويق “الدعم الأمريكي” على أنه منحة استراتيجية وشراكة متكافئة، بينما كان في جوهره صفقة معاوضة مقنّعة. المقابل المعلن تمثل في الحماية والشرعية الدولية والمساعدات الاقتصادية، أما الثمن الحقيقي فكان إعادة هندسة السيادة الداخلية، وتكييف الاقتصادات الوطنية وفق وصفات نيوليبرالية جاهزة، وإعادة ترتيب الأولويات الأمنية والاستراتيجية بما يخدم الأجندة الأمريكية. في هذا السياق، خلطت دول كثيرة بين المساندة الظرفية والضمانة السيادية الدائمة، واعتقدت أن الرضى الأمريكي يمكن أن يعوّض غياب الشرعية الداخلية، أو يغني عن بناء القوة الذاتية، أو يشكل بديلاً عن استقلال استراتيجي حقيقي.
التجربة التاريخية المتراكمة، والتي تصطدم بها أوروبا اليوم، تؤكد أن واشنطن تتخلى عن الحلفاء والوكلاء على حد سواء متى انتفت الجدوى، أو ارتفعت الكلفة، أو تغيّرت الأولويات. من يربط أمنه القومي بإرادة خارجية متقلبة يضع سيادته رهينة لتحولات السياسة الداخلية في واشنطن، ومن يبني استقراره الاقتصادي على مساعدات مشروطة يستبدل التنمية المستدامة بتبعية هشة، ومن يجعل قراره الاستراتيجي امتدادًا لأجندة غيره يفقد السيطرة على مصيره عند أول منعطف دولي حاد.
ما جرى في أفغانستان مع الوكلاء، وما يجري اليوم في أوروبا مع الحلفاء، ليس سوى تعبيرين عن نمط واحد في السياسة الخارجية الأمريكية، يقوم على أعلى درجات البراغماتية وحساب الربح والخسارة. صدمة أوروبا لا تكمن في التخلي ذاته، بل في اكتشافها أنها، رغم خطاب الشراكة المتكافئة، لم تكن فاعلًا سياديًا كامل الأهلية، بل أداة وظيفية ضمن هندسة النفوذ العالمي. والفارق بين مصير “الحليف” الأوروبي و“العميل” في الجنوب ليس فارقًا في المنطق، بل في الدرجة وطبيعة الخطاب وشكل التدبير.
إن التحالف مع قوة عظمى قد يكون خيارًا تكتيكيًا مشروعًا في سياقات استثنائية، لكنه حين يتحول إلى ركيزة استراتيجية دائمة وبديل عن بناء المقومات الذاتية، يصبح خطأً تاريخيًا جسيمًا. هذا الخطأ يُسدَّد ثمنه دائمًا من رصيد الشعوب: من سيادتها، وكرامتها الوطنية، وحرية قرارها. لقد دفعت دول العالم الثالث كلفة هذا الوهم باهظة خلال العقود الماضية، وتبدأ أوروبا اليوم في دفع ثمن تفويضها الاستراتيجي. ويبقى السؤال المصيري مفتوحًا أمام الدول التي لا تزال تراهن على الوصفة ذاتها: هل ستتعلم من دروس غيرها، أم ستنتظر دورها في صدمة التنوير القاسية خاصة وأن زمننا يتطلب إستكمال طموح وطننا نحو ملامسة أفق الندية ، لأن عصر استعمال قدراته وقودا للحروب الطاحنة أو حطبا لمعارك الصقيع العابرة قد ولى ، اللهم من خضع وقبل أن يكون مكونا من المجال الحيوي الذيلي والملحق لأحد الدول العظمى ؟

التعليقات مغلقة.