الانتفاضة // سعيد حجي
في زوايا النفس البعيدة، حيث لا تصل اللغة، ولا تضيء المفاهيم، يكمن ذلك الشعور الغامض الذي يزورك دون موعد. لا يحمل اسما واضحا، ولا يطرق الباب، يأتيك خفيفا مثل نسمة، أو عاصفا مثل زلزال، ثم يتركك مرتبكا، متسائلا: كيف عرفت؟ كيف شعرت؟ كيف تنبأت؟
تلك اللحظة التي يخفق فيها قلبك فجأة دون سبب ظاهر، التي تستيقظ فيها من حلم لا تدري هل كان رؤيا أم انعكاسا لذاكرة لم تولد بعد، تلك الفكرة التي تلمع في رأسك كوميض، ثم تجدها تتحقق، كل هذا لا يأتي من فراغ، بل من نظام داخلي شديد التعقيد، يسكن الإنسان منذ بداية الخليقة…
إن ما نسميه الحاسة السادسة، أو الحدس، أو الفراسة، ليس وهما ولا خرافة، بل أثر من آثار ذلك الخلق المتقن الذي أودع الله في الإنسان أسرارا تتجاوز العلم والتجريب. فالإنسان لا يُختزل في جسده، ولا في ذهنه، ولا في لغته. إنه كيان متعدد الطبقات، يحتوي على جسد مرئي، وعقل مدرك، وروح لا تُرى، وحس خفي يربطه بعوالم لا تُدرك بالحواس…
حين نقرأ في القرآن “ولقد كرمنا بني آدم”، فهذا التكريم لا يتعلق بالهيئة فقط، بل بالقدرات اللا مرئية، بالوعي القادر على التقاط رسائل لا تُكتب، ولا تقال. “وفي أنفسكم أفلا تبصرون”، إنها دعوة لاكتشاف هذه المتاهة العظيمة التي تسكننا…
علم النفس يسميه اللاوعي، التصوف يسميه البصيرة، الفلسفة تسميه العقل الباطن، لكن كلهم يلتقون عند فكرة واحدة: أن هناك ما نجهله فينا، وهو أعمق من كل ما نعرف…
الروائي دوستويفسكي لم يكن يكتب فقط عن شخصيات معذبة، بل كان يغوص في مناطق خفية من الوعي البشري، حيث تتصارع الظنون، وتنبثق الرؤى، وتتشكل الحقائق. وفي إحدى رواياته، جعل أحد أبطاله يقول دون يقين ظاهر: “أحيانا، أحس أنني أعرف ما سيحدث، دون أن أعرف من أين جاءني هذا اليقين”..
في الحلم، في الحنين، في ارتجافة غير مفهومة، تتجلى هذه النوافذ الصغيرة التي تنفتح على المجهول. فالحلم الذي تراه اليوم قد يكون إسقاطا رمزيا لأحداث الغد. والحدس الذي يدق في قلبك، قد يكون محاولة الروح لتحذيرك، أو دعوتك للسير نحو طريق لم تره بعد بعينيك…
وحتى في الفلسفة الغربية، حيث يقدس العقل، نجد أن مفكرين ككارل يونغ تحدثوا عن اللاوعي الجمعي، عن الرموز التي تسكننا دون أن نعي، عن الصور التي تتكرر في أحلام البشر عبر الثقافات وكأنها لغة كونية داخلية. ما تراه في حلمك، رآه غيرك في حضارة أخرى منذ ألف عام، كأن النفس البشرية تتشارك نفس الألبوم، بنفس الصور، بنفس المعاني.
هل الأمر مصادفة؟
أم أن الإنسان محكوم بمنظومة من الإشارات التي لا يراها إلا إذا توقف، أنصت، تأمل، وتحرر من الضجيج الخارجي؟
في زمن يقدّس السرعة، يغيب الحدس. وفي عالم يضج بالصوت والصورة، تخفت الإشارة. لكن تلك القدرة لا تموت، فقط تنتظر من يوقظها…
النجاح أحيانا لا يحتاج إلى خارطة بقدر ما يحتاج إلى حاسة. النجاة من خطر قد تكون رهينة لحظة حدسية خاطفة. تغيير مصير قد يبدأ بإشارة شعرت بها ثم تبعتها.
أن ترى دون عيون، أن تسمع دون آذان، أن تعرف دون أن تتعلم، هذا هو الجانب الغامض من الوجود الإنساني. وفي هذا الجانب، لا تسود المنطقية، بل الحدس، والإيمان، والحضور الكامل مع اللحظة…
العقل يحلل، اللغة تشرح، العين تبصر، لكن الحدس هو البوصلة التي تهتدي بها الروح. والبشر لا يعيشون فقط بالعقل، بل بالنبض الذي لا يُفسَّر…
فكن يقظا، لأن الإشارات لا تطرق الأبواب مرتين.
التعليقات مغلقة.