الانتفاضة // محمد خلوقي
الشبابُ ليسوا مجرّدَ مرحلةٍ عُمريّةٍ عابرة، بل هم طاقةُ المجتمعِ الكامنة، ونبضُه الذي به يتجدّد أو يخبو. في عيونهم تسكنُ الأسئلةُ الكبرى، وفي عقولهم تولدُ الأفكارُ التي تغيّر مسارَ التاريخ، وعلى أكتافهم تُحمَلُ أحلامُ الأوطان بين الخوفِ والرجاء.
وليس الشباب المغربي بعيدًا عن هذا التوصيف، فقد أثبت، في أكثر من مناسبة، أنه ليس جمهورًا عابرًا يراقب الإنجازات من بعيد، بل فاعلٌ حقيقيٌّ في صناعتها. شبابٌ يمنح للوطن معنى متجدّدًا، ويضخ فيه حياةً جديدة كلما أُتيحت له الفرصة، وكلما وُضع في موقع الثقة والمسؤولية.
لقد برهن شبابنا المغربي، بوضوح، على حسّه الوطني العالي، وقدرته على تحمّل المسؤولية، ورفع راية الوطن في المحافل الوطنية والدولية. ويكفي أن نستحضر ما عشناه مؤخرًا في المجال الرياضي، من فوز المنتخب المغربي الرديف ببطولة كأس العرب 2025، وما سبقه من إنجازات عالمية لفئات عمرية شابة، لندرك أن هذا الجيل قادر على تحقيق المبتغى، وجدير بالثقة حين يُمنح المساحة والإيمان بقدراته.
غير أن هذه النجاحات ليست يتيمة ولا معزولة، بل تندرج ضمن سلسلة ممتدة من المبادرات والإنجازات في مجالات أخرى لا تقل حيوية. ففي العمل التضامني، وفي لحظات الشدّة والنكبات، يتقدّم الشباب الصفوف الأولى، منخرطين في حملات الدعم والمساندة. وفي ميادين الوعي المجتمعي، ومحاربة الفساد والتهميش، تجدهم في الصدارة، يقدّمون الجهد والوقت، بل ويسترخصون أعمارهم دفاعًا عن قيم العدالة والكرامة.
إن الشباب المغربي يقدّم المثال والدليل على أن الانتماء إلى الوطن ليس شعارًا يُرفع، بل ممارسة يومية ومسؤولية مستمرة. وحين تُفتح الأبواب أمام طاقاته، لا ينهض بنفسه فقط، بل ينهض معه الوطن بأكمله.
غير أن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اكتشاف الطاقات، لأنها موجودة ومرئية، بل في بناء ثقافة الثقة في إمكانات الشباب، وتفعيل منظومة متكاملة تمنحهم التشجيع والدعم، وتوفّر لهم التأطير والتوظيف الكفء، مع الحزم في مساءلة من يتقلّد المسؤولية دون استحقاق. فالأوطان لا تُبنى بالمناصب، بل بالكفاءات، ولا تنهض إلا بسواعد أبنائها الصادقين.
ومع الأسف، لا يزال الحاجز الأكبر يتمثل في تفشّي ثقافة المحاباة، وتفضيل الوجوه المعروفة على حساب الطاقات الشبابية الواعدة، التي تُترك في طوابير الانتظار الطويلة. إن استمرار هذا المنطق يُضعف العمل الجماعي، ويُهدر الطاقات، ويزرع في نفوس الشباب شعورًا قاسيًا بأن طريق التقدّم لا يُعبَّد بالكفاءة والانضباط، بل بالعلاقات والوساطة.
من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى مراجعة نهج التعيين والتوجيه داخل المؤسسات، وإتاحة الفرصة لمن يستحقها فعلًا، بناءً على قدرته وإرادته، لا لمن ينتظرها بحكم القرب أو الاسم.
علينا أن نؤمن، بصدق، أن الشباب المغربي ليس عبئًا، بل فرصتنا الحقيقية، وليس مشروعًا مؤجّلًا، بل رهانًا راهنًا. فالتغيير لا يبدأ حين نكثر الحديث عن الشباب، بل حين نمنحهم المساحة، ونضع ثقتنا في كفاءاتهم، ونحوّل المبادرة إلى واقع، والطموح إلى إنجاز.
لقد آن الأوان لأن يتحوّل شباب اليوم إلى صنّاع نهضة الغد، بل إلى مشروع قادة نافعين، يحملون الوطن بعقلٍ واعٍ، وقلبٍ صادق، وإرادة لا تنكسر.
التعليقات مغلقة.