الفيدرالية المغربية لناشري الصحف تستنكر “المجزرة الأخلاقية” وتدق ناقوس الخطر بشأن مستقبل الصحافة

الانتفاضة/ ابراهيم أكرام

تعيش الساحة الإعلامية المغربية على وقع زلزال مهني وأخلاقي غير مسبوق، بعد انتشار مقاطع فيديو مسربة من اجتماع لجنة أخلاقيات المهنة والقضايا التأديبية التابعة للجنة المؤقتة للمجلس الوطني للصحافة. وقد فجرت هذه التسريبات جدلا واسعا، ليس فقط بسبب مضمونها “الصادم”، وإنما لأنها وضعت علامة استفهام كبيرة حول مستقبل التنظيم الذاتي للصحافة بالمغرب، وحول من يقف فعلا وراء إعادة تشكيل المشهد الإعلامي.

وفي خضم هذا الجدل، أصدرت الفيدرالية المغربية لناشري الصحف بيانا شديد اللهجة، عبرت فيه عن صدمتها العميقة مما وصفته بـ“المجزرة الأخلاقية والحقوقية” التي كشفت عنها التسجيلات المسربة، معتبرة أن ما جرى يشكل منعطفا خطيرا يمس جوهر حرية الصحافة واستقلالية مؤسساتها.

تسريب يهز الثقة في مؤسسة يفترض أن تحمي الأخلاق المهنية

تقول الفيدرالية إن الفيديوهات المسربة من لجنة التأديب لم تكن مجرد نقاش داخلي عابر، بل تضمنت ما اعتبرته “انحدارا غير مسبوق” في لغة الخطاب والمعجم المستعمل، إضافة إلى تعبيرات تنم عن تفكير انتقامي وتمييز سلبي تجاه صحافيين معينين، وعلى رأسهم الصحافي حميد المهداوي الذي صدرت في حقه قرارات تأديبية مثيرة للجدل.

وتضيف الفيدرالية أن مضمون التسريبات يفضح مستوى خطير من التجاوزات في العدالة التأديبية، ما يمس حقوق الصحافيين المكفولة قانونيا، ويضرب مصداقية الجهاز المفترض أن يسهر على أخلاقيات المهنة، ويضمن احترامها.

وترى الفيدرالية أن أخطر ما في هذه التسريبات هو ما اعتبرته “تحقيرا صريحا” لمبادئ التنظيم الذاتي، و”خيانة فاضحة” لجوهر الدور المهني الذي أنشئ المجلس الوطني للصحافة من أجله.

تاريخ من “الإقصاء الممنهج”.. والفيديو ليس بداية الحكاية

تشدد الفيدرالية المغربية لناشري الصحف على أن ما كشف في الفيديو ليس معزولا، بل يمثل محطة ضمن “مسار طويل من التآمر والإقصاء”، بدأ حسب قولها منذ السعي لتفكيك الهيئة العريقة لناشري الصحف، وفرض مسارات تنظيمية تهدف إلى تهميش الفيدرالية وإبعادها عن أي حوار أو تشاور مؤسساتي.

وتتهم الفيدرالية بعض الجهات داخل القطاع بالسعي إلى الهيمنة على أدوات القرار في الجسم الصحافي، سواء عبر تشكيل لجنة مؤقتة “مفصّلة على المقاس”، أو عبر عمليات تعيين وصفتها بأنها “انتقائية ومنحازة”، أو من خلال التحكم في منظومة الدعم العمومي، وعلى رأسها لجان دعم الصحافة والصحافة الرياضية.

وتشير الفيدرالية أيضا إلى أن اللجنة المؤقتة لم تشكّل بطريقة توافقية، بل جرى وفق روايتها إبعاد لجنتين كاملتين من تركيبتها فقط لأنهما كانتا برئاسة عضوين من الفيدرالية، قبل أن يتم تعويضهما بأعضاء من تنظيم واحد، ما جعل اللجنة “موحدة اللون والصوت”، في تناقض صارخ مع فلسفة التعددية.

ولاية منتهية وصلاحيات مستمرة… وضعية “غير قانونية”

واحدة من النقاط الجوهرية التي ركزت عليها الفيدرالية هي أن الولاية القانونية للجنة المؤقتة انتهت منذ بداية أكتوبر الماضي، ورغم ذلك استمرت في ممارسة مهامها التأديبية والتنظيمية.

وتعتبر الفيدرالية هذا الاستمرار غير القانوني جزءا من المشكلة، ليس فقط لأنه يمس مبدأ الشرعية المؤسساتية، بل لأنه يتقاطع مع “المنطق التآمري” الذي كشفت عنه التسريبات، ويظهر وفق تعبيرها أن اللجنة تمارس سلطات لا يخولها لها القانون.

وتذهب الفيدرالية إلى حد وصف هذه الوضعية بأنها “خطر على دولة المؤسسات”، محذرة من استمرار اتخاذ قرارات مصيرية بشأن القطاع من طرف هيئة فقدت شرعيتها القانونية والمهنية.

دعوة إلى تحقيق قضائي كامل وشامل

بلهجة صارمة، تطالب الفيدرالية المغربية لناشري الصحف بفتح تحقيق قضائي شامل ومستعجل حول كل ما ورد في الفيديوهات المسربة، بما في ذلك:

  • الخروقات التأديبية؛

  • التجاوزات التي مست حقوق الصحافيين؛

  • المسؤوليات الفردية والجماعية؛

  • السياق الذي اتخذت فيه القرارات التأديبية السابقة؛

  • خلفيات استمرار اللجنة رغم انتهاء ولايتها.

كما تطالب الفيدرالية بإبلاغ الرأي العام الوطني والمهني بنتائج التحقيق، معتبرة أن الشفافية وحدها قادرة على إعادة جزء من الثقة المفقودة.

وفي المقابل، توجه الفيدرالية نقدا لاذعا لمن يحاول حسب تعبيرها الانحراف بالموضوع نحو النقاش حول كيفية تسريب الفيديو بدل التوقف عند مضمون ما كشفه، مؤكدة أن المسؤولية القانونية عن حماية سرية المداولات تقع على اللجنة نفسها وليس على أي جهة خارجية.

مشروع قانون “غير توافقي”.. ومخاوف من تكريس الهيمنة

ترى الفيدرالية أن مشروع القانون المعروض اليوم على مجلس المستشارين لإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة هو ترجمة تشريعية لنفس العقلية التي أفرزت ممارسات الفيديو المسرب. وتقول إن المشروع يسعى إلى:

  • تركيز القرار في يد جهة واحدة؛

  • إقصاء التعددية المهنية؛

  • إضعاف التنظيم الذاتي الحقيقي؛

  • التحكم في بنية القطاع عبر تشريعات “استحواذية”.

وتطالب الفيدرالية بتعليق مسطرة مناقشة هذا القانون فورا، لأن تمريره في شكله الحالي سيجعل من المجلس أداة للتحكم لا مؤسسة مستقلة لحماية الصحافة.

الخطر الأكبر: تحويل الصحافة من سلطة رابعة إلى أداة للهيمنة

تحذر الفيدرالية من ما تسميه “مشروع السطو على القطاع”، الذي وفق تصورها يهدف إلى تحويل الصحافة من سلطة رقابية تحمي الديمقراطية إلى آلية للتحكم وتوجيه الرأي العام وفق مصالح ضيقة.

وتقول الفيدرالية إن أخطر ما حدث خلال السنوات الأخيرة هو محاولة استبدال الوظيفة الجوهرية للصحافة، المتمثلة في:

  • مراقبة تدبير الشأن العام،

  • إحداث التوازن بين السلطات،

  • تعزيز الشفافية،

  • حماية الحق في الوصول إلى المعلومات،

“فرصة للإنقاذ” رغم حجم الكارثة

على الرغم من حدة اللغة المستعملة في البيان، ترى الفيدرالية أن ما حدث قد يشكل بالمفارقة فرصة لإعادة بناء الصحافة المغربية على أسس سليمة. فالأزمة أحدثت، وفق الفيدرالية، “صحوة مهنية”، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول:

  • استقلالية التنظيم الذاتي؛

  • حدود تدخل السلطة السياسية في القطاع؛

  • طبيعة الدعم العمومي وطرق صرفه؛

  • ضرورة التعددية والتمثيلية الحقيقية داخل المؤسسات المهنية؛

  • الحاجة إلى نموذج إعلامي قائم على المهنية، الكفاءة، والشفافية.

وتختتم الفيدرالية بأن المغرب يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى إصلاح جذري وشجاع يعيد الاعتبار للصحافة الحرة والمهنية باعتبارها رئة الديمقراطية، ويقطع مع محاولات إخضاع القطاع لمنطق التحكم والابتزاز والمصالح الفئوية.

التعليقات مغلقة.