الانتفاضة // ✍🏼 بقلم: ذ.هشام الدكاني
كانوا هناك في عمق الصحراء، حيث كانت الحرارة تذيب الحديد ولا تذيب عزيمتهم، وحيث كان صوت الوطن أعلى من هدير الرصاص.
رجال تركوا وراءهم بيوتهم ودفاتر أبنائهم وأحلامهم الصغيرة، وحملوا البنادق على أكتافهم، لا طمعا في ترقية ولا ٱنتظارا لصورة تذكارية، بل إيمانا بأن الأرض لا تُصان إلا بدم طاهر وعرق حار.
سنوات مرت، وعاد بعضهم من جحيم المعارك بنصف جسد أو قلب مثقوب، لكنهم عادوا مرفوعي الرأس، لأنهم صدقوا أن الوطن لا ينسى أبناءه… إلى أن ٱكتشفوا أن الذاكرة الرسمية قصيرة جدا، وأن الشكر الوحيد الذي ينتظرهم هو مقعد في زاوية مظلمة من مقهى شعبي، يتبادلون فيه قصص الشجاعة التي لا تجد من يصغي إليها.
وفي زمن أصبحت فيه الكراسي أهم من الكرامة، تطل علينا عمدة مراكش ووزيرة إعداد التراب الوطني والإسكان، “فاطمة الزهراء المنصوري”، في مشهد يجسد المفارقة بأبهى صورها:
(سيدة تتحدث عن العدالة المجالية والتخطيط الحضري، بينما يقف العشرات من أبناء الوطن أمام قاعات مجلسها، يصرخون من أجل سكن بسيط أو تعويض منصف، فيُقابلون بالأبواب المغلقة ووجوه تتحدث لغة السلطة لا لغة الإنسانية).
تلك التي يفترض أن تكون (صوتا للشعب)، تحولت في نظر كثيرين إلى صورة دعائية مصقولة أكثر مما هي مشروع حقيقي للإنصات والفعل.
– فكيف لمن تتحدث عن الإسكان أن تعجز عن ٱحتضان ساكنة حيّ واحد داخل مدينتها؟
– وكيف لمن وقّعت على مشاريع كبرى أن تفشل في توقيع أبسط قرار يعيد الكرامة لمتضرري مراكش أو لقدماء الجنود الذين حموا الصحراء يوم لم تكن فيها كاميرات ولا مؤتمرات؟
صار من الطبيعي أن يتجول أحد أولئك الأبطال بين المكاتب والإدارات بحثا عن (نسخة مطابقة للأصل) من ٱعتراف الدولة بجميله!
ملفاتهم تتنقل بين الأرفف كما تتنقل خطب السياسيين بين المنابر!! يُعاملون كما لو أنهم يطلبون منّةً، لا حقا ٱكتُتب بدمهم على رمال “العيون” و”السمارة”.
وما يزيد المفارقة ألما.. أن الذين لم تطأ أقدامهم الرمال إلا في حملات ٱنتخابية مصوّرة صاروا هم الوطنيين الجدد، يوزعون الوطنية كما تُوزّع المناصب، يرفعون الشعارات نفسها التي خانوا معناها.
وفي بلد يتذكر لاعب كرة سجل هدفا في مباراة ودّية، وينسى رجلا وقف في وجه الموت كي تبقى خريطة الوطن كما هي، يصبح الحزن مزاحا والخذلان عادة.
المؤلم أن من ضحوا لم يعودوا يحلمون بتعويض ولا ٱمتياز، بل فقط بنظرة ٱحترام، والمضحك أن بعض المسؤولين يظنون أن جلسة تصوير مع العلم الوطني كافية لمحو سنوات النسيان!!!
لكن،
– كيف تُصلح صورة إعلامية جرحا ٱمتدّ لعقود؟
في النهاية، لا يطلب أولئك الأوفياء سوى إنصاف متأخرٍ لكنه صادق، وٱعترافٍ بأن الوطن لا يُبنى بالخطابات ولا بالمهرجانات، بل بمن آمنوا به دون مقابل.
أما إن ٱستمر النسيان في هذا البلد، فسيأتي يوم يُرفع فيه العلم ولا يجد من يحييه، لأن الذين حموه… ماتوا وهم ينتظرون من يذكر أسماءهم.
حقا، لك الله يا مغربي!
التعليقات مغلقة.