الحوز بين وعود الإعمار وآلام الانتظار: شهادات من قلب الزلزال بعد عامين من الكارثة

الانتفاضة/ جميلة ناصف

عامان مضيا على الزلزال المدمر الذي ضرب إقليم الحوز في 8 شتنبر 2023، وما زالت مشاهد الخراب حاضرة، تختلط فيها جراح الماضي بوعود المستقبل. فبينما تتحدث الحكومة عن أوراش عملاقة لإعادة البناء ورصد ميزانيات ضخمة، يؤكد الناجون أن معاناتهم لم تنته بعد، وأن الانتظار طال أكثر مما يحتمل.

منذ الشهور الأولى بعد الكارثة، شرعت الدولة في تنفيذ مشاريع كبرى:

ـ الطرق: خصصت وزارة التجهيز والماء حوالي 891 مليون درهم لتأهيل الشبكة الطرقية، أبرزها الطريق الوطنية رقم 7 بين تحناوت وتارودانت، وفك العزلة عن دواوير جبلية.

ـ الصحة: أعيد بناء وتأهيل 43 مركزاً صحياً، بدأ أكثر من ثلاثة أرباعها في تقديم خدماته، بتجهيزات متطورة ومعايير مضادة للزلازل.

ـ التعليم: انهارت 103 مؤسسة تعليمية من أصل 343، لكن مع بداية الموسم الدراسي 2025-2026 تم تسليم 80 مدرسة جديدة، من بينها المدرسة الابتدائية بآسني التي تستقبل 600 تلميذ في فضاء آمن وحديث.

هذه الإنجازات تمثل وجهًا مشرقًا لمسار إعادة الإعمار، وتؤشر على رؤية تتجاوز الترميم إلى بناء تنمية مستدامة.

غير أن الواقع الميداني يكشف وجهاً آخر: آلاف الأسر ما تزال تعيش تحت الخيام أو في مساكن مؤقتة، تعاني قساوة المناخ ونقص الخدمات الأساسية.

ـ محمد، خمسيني من دوار إيمي نتيارت، يقول بصوت يختنق بالمرارة: “نحن ما زلنا نعيش في الخيام. وعود كثيرة سمعناها، لكن بيوتنا لم تُبن بعد. الصيف يحرقنا والشتاء يجمّد أطفالنا. نريد فقط سقفاً آمناً فوق رؤوسنا.”

ـ فاطمة، أرملة وأم لثلاثة أطفال من جماعة أوزود، تضيف: “فقدت زوجي في الزلزال، وكل ما أملك انهار. المساعدات لم تكف لإعادة بناء بيت. أعيش الآن في مسكن خشبي صغير لا يحميني من المطر ولا من البرد. نحتاج إلى دعم حقيقي، ليس مجرد وعود على الورق.”

ـ الحسين، شاب يعمل في السياحة الجبلية بآسني، فيلخص الأزمة الاقتصادية قائلاً: “قبل الزلزال كنت أعمل كمرشد سياحي، وكان رزقي يأتي من السياح الذين يزورون جبال الحوز. اليوم لم يعد هناك سياح، والفلاحة الصغيرة لا تكفي لإعالة أسرتي. حتى لو بُنيت المدارس والمراكز، الناس هنا بحاجة إلى فرص عمل تحفظ كرامتهم.”

في الوقت الذي تؤكد فيه السلطات أن خطة الإعمار تسير وفق مراحل محددة، يواجه السكان شعوراً متزايداً بالإحباط. فالأوراش الكبرى جارية، لكنها لا تنعكس مباشرة على حياة الناجين الذين ما زالوا ينتظرون المأوى والدخل.

جمعوي من تحناوت صرح لجريدة الانتفاضة قائلاً: “لا أحد ينكر حجم الجهود الرسمية، لكن الإيقاع بطيء جداً. هناك أسر لم تتسلم بعد الدعم المخصص لإعادة البناء، وهناك قرى ما زالت بلا ماء صالح للشرب. المطلوب اليوم هو حلول استعجالية قبل حلول شتاء قاسٍ.”

الزلزال كشف هشاشة البنيات التحتية وضعف جاهزية بعض الخدمات، لكنه أظهر أيضاً إرادة وطنية في إعادة البناء. غير أن تحويل المحنة إلى فرصة حقيقية للتنمية المستدامة يظل رهيناً بتسريع وتيرة الأشغال، وتوجيه الدعم مباشرة إلى الأسر الأكثر تضرراً.

عامان بعد الكارثة، يقف الحوز عند مفترق طرق:

وجه رسمي متفائل، يتحدث عن مدارس جديدة، مراكز صحية عصرية، وطرقات تربط ما انقطع.

ووجه شعبي مثقل بالجراح، حيث الناجون يعيشون تحت الخيام، وينتظرون مأوى وفرصة عمل.

الساكنة اليوم تعيش بين الأمل في غد أفضل، والإحباط من بطء الإنجاز. أما الزلزال، فترك ندوباً عميقة لا يداويها إلا إعمار عادل وسريع يعيد الكرامة إلى الناس، قبل أن يعيد الحجر إلى مكانه.

الحوز ينهض ببطء من تحت الركام. المشاريع العملاقة موجودة، لكن القلوب الجريحة لا تزال تنتظر أن تتحول الوعود إلى واقع يلمس تفاصيل حياتها اليومية. ما بين الأرقام الرسمية والشهادات الميدانية، تتضح الحقيقة، فالإعمار ليس فقط بناء طرق ومدارس، بل إعادة بناء الثقة والأمل.

التعليقات مغلقة.