الانتفاضة // شاكر ولد الحومة
بالأمس كانت مراكش تتفاخر بمساحاتها الخضراء التي منحتها هواء نقيا وجمالا طبيعيا خلابا، حيث كانت توفر لكل مواطن نحو 13 كيلومترا مربعا من الفضاءات البيئية.
غير أن هذا الوجه الأخضر بدأ يبهت تدريجيا لتحل مكانه كتل إسمنتية تزحف بلا هوادة على كل شبر قابل للبناء سواء كان ملكا عاما أو مجالا بيئيا حيويا.
و تحولت المدينة التي لطالما تغنى بها الملوك والرؤساء، إلى صورة باهتة من نفسها، حيث باتت تعيش بلا ملامح، لا روح، ولا تخطيط يراعي مستقبل الأجيال، وجاء عوض التنمية المستدامة التي سادت نزعة قوية نحو الاتجار في العقار وتفريخ البنايات والتجزئات العشوائية، حتى لو كان الثمن هو اختناق بيئي واجتماعي.
ومع تأزم الوضع، تقلصت المساحات الخضراء وتحولت حدائق الأمس إلى مشاريع إسمنتية تمنح رخص بنائها بسخاء لفاعلين عقاريين لا يرون في المدينة سوى سلعة قابلة للاستنزاف، كما أن مشاهد مراكش لم تعد تبعث على الارتياح، بل تثير الغضب حين ترى فضاءات عامة كانت مفترضة كمتنفسات عمومية تجهز أو تشوه بهياكل خالية من الجمالية والذوق.
وهنا يحق لنا التساؤل، لو عاد الملك الراحل الحسن الثاني إلى الحياة، ما هو تعليقه على ما آلت إليه مراكش المدينة التي كانت قريبة إلى قلبه؟ لقد حذر يوما في إحدى خطاباته من بشاعة مظهر المدن وغياب الحدائق وأماكن الترفيه للأطفال، مؤكدا أن الجمال والتربية على الذوق مسؤولية جماعية.
فماذا عساه يقول اليوم حين يرى أطفال مراكش محرومين من أبسط حق في اللعب تحت ظلال الأشجار؟
وأغفلت عمدة مراكش الحالية فاطمة الزهراء المنصوري، هذا البعد الحيوي في تصورها التنموي واقتصرت فقط على الإسمنت الذي يخنق المدينة إن لم يكن مقرونا بالحفاظ على البيئة والطفولة، فذلك الطفل الذي لا يرى غير الجدران ولا يتنفس سوى الغبار سينشأ في فراغ بصري ونفسي يصعب ترميمه لاحقا، و المؤسف حقا أن من حرم هؤلاء الأطفال من الطبيعة يضمنها لأبنائه في مناطق فاخرة وفضاءات خضراء لا تطالها يد الإسمنت.
ومن حي الملاح حيث يلعب الأطفال فوق التراب إلى جنان العافية والمحاميد، حيث البنايات تطمس ما تبقى من معالم المدينة، وكل هذا يحدث تحت أعين سلطات عاجزة أو تعيش وسط صمت مريب يلف مؤسسة العمران المتورطة في مشاريع لا تخلو من علامات الاستفهام.
الخراب العمراني امتد إلى ضواحي المدينة، حيث تجهز أراض فلاحية على يد لوبيات عقارية تلهث وراء الربح متذرعة بأزمة المياه لترهيب الفلاحين، بينما تُهيأ الأرض لتصبح تجزئات فاخرة لا يسكنها إلا المحظوظون، في حين أن ما يحدث في تاسلطانت من مشاريع تنموية تخص العمدة وإخوتها هو مثال صارخ على اختلال العدالة المجالية.
فمراكش كما يعرفها أهلها تنهار أمام أعينهم بسبب التعمير الذي لم يعد وسيلة للنهوض بقدر ما أصبح سلاحا يغتال به الجمال ويصادر به الحق في بيئة متوازنة، لأن أطفال المدينة هم الضحية الكبرى في هذه المجزرة العمرانية وهم الأحق بأن يصغى إلى حاجاتهم وأن تصان براءتهم من مشاهد الإسمنت والفراغ، ولهذا تحتاج المدينة اليوم إلى استرجاع الوعي بأن بناء المدينة لا يكون فقط بالحجر، بل يحتاج إلى الشجر وإلى من يضع الإنسان في صلب السياسات لا العقار، واتباع وصية الحسن الثاني التي ما زالت قائمة تنتظر من يحييها لا من يدفنها تحت الإسمنت.
التعليقات مغلقة.