الانتفاضة // ابتسام بلكتبي // صحفية متدربة
كشفت الإحصائيات الميدانية الحديثة عن فشل بنيوي في منظومة التعليم المغربي يتكون منذ السنوات الأولى للتعليم الأساسي، ويترجم بشكل واضح في ضعف التمكن من الكفايات الأساسية في اللغة العربية والرياضيات واللغة الفرنسية. مما ينذر بتداعيات خطيرة على مستقبل الأجيال المقبلة ويطرح تساؤلات ملحة حول مدى نجاعة الإصلاحات التعليمية المتتالية وجدواها الفعلية في معالجة أعطاب مزمنة.
وتشير المعطيات إلى أن ما بين 70% و80% من التلاميذ المغاربة يعانون من تراكمات في التعثر الدراسي وهي نسبة صادمة تكشف عن اختلالات جوهرية في المراحل الأولى من التمدرس، خاصة في مرحلة التعليم الأولي، وفي الوقت الذي يفترض أن يتقن الطفل المهارات الأساسية في القراءة والحساب والتواصل، يجد عدد كبير من التلاميذ أنفسهم يواجهون صعوبات حادة في فهم واستيعاب محتويات دروسهم، ما يجعلهم عرضة للرسوب أو الانقطاع المبكر عن الدراسة.
ولا تقتصر هذه التعثرات على السنوات الأولى، بل تزداد حدتها عند الانتقال إلى مرحلة التعليم الإعدادي، حيث تتسع الهوة بين ما ينتظر من التلميذ إنجازه وما هو قادر فعلا على استيعابه، إذ يفتقر كثير من التلاميذ إلى المهارات اللغوية الكافية لفهم المواد العلمية، مما يؤثر سلبا على أدائهم في مختلف المواد ويكرس شعورا بالإحباط والعجز قد يكون له أثر بالغ على مسارهم الدراسي برمته.
ويرى عدد من المتتبعين أن أسباب هذا الإخفاق البنيوي متعددة، تبدأ من ضعف تكوين المدرسين وتباين جودة التكوينات البيداغوجية، وتمر عبر هشاشة البنية التحتية المدرسية في المناطق القروية وشبه الحضرية وتصل إلى غياب سياسة لغوية واضحة ومتوازنة.
وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن إصلاح التعليم في المغرب غير ذي جدوى ما لم يتم التركيز بشكل جذري على السنوات الأولى من التمدرس باعتبارها حجر الأساس في بناء التعلمات المستقبلية. كما أن معالجة هذه الأزمة تستدعي مقاربة شمولية تتقاطع فيها الإصلاحات التربوية مع الجوانب الاجتماعية والاقتصادية، لضمان عدالة تعليمية حقيقية وتكافؤ للفرص بين مختلف الفئات والجهات.
ولا يحتمل الوضع الراهن المزيد من الترقيع، بل يتطلب جرأة سياسية وإرادة مجتمعية لفتح نقاش وطني صريح حول التعليم ووضع خارطة طريق واضحة المعالم تتجاوز الشعارات نحو سياسات تعليمية ذات أثر ملموس تضع المتعلم في صلب العملية وتعيد الاعتبار للمدرسة العمومية كرافعة أساسية للتنمية والعدالة الاجتماعية.
التعليقات مغلقة.