الانتفاضة // إبتسام بلكتبي (صحافية متدربة)
يحلّ اليوم العالمي للبيئة في 5 يونيو من كل عام، لكن نسخة 2025 تأتي وقد بلغت التحديات البيئية والمناخية ذروتها، لتدقّ ناقوس الخطر مجددا؛ حرارة قياسية، ذوبان جليد متسارع، تدهور في التنوع البيولوجي، وتلوث بلاستيكي يلف الكوكب بخيوطه الخانقة.
وتستضيف كوريا الجنوبية هذا العام فعاليات اليوم العالمي تحت شعار “إنهاء التلوث البلاستيكي”، في دعوة عالمية عاجلة للتعامل مع هذا الخطر المحدق الذي يحول الأرض شيئا فشيئا إلى مكبّ نفايات بلاستيكية لا تتحلل.
تحذيرات أممية من التغيرات المناخية الحرجة :
منذ عام 1972، عندما احتضنت العاصمة السويدية ستوكهولم أول مؤتمر أممي يُعنى بالبيئة، بات يوم 5 يونيو موعدا سنويا لتقييم حال الأرض، وتأكيد الحاجة لحمايتها. ولكن و رغم مرور أكثر من خمسين عاما، فإن الكوكب يسير نحو العتبات المناخية الحرجة، وسط تخوفات من بلوغ “نقطة اللاعودة”.
ويؤكد الواقع العلم، فالعالم ينتج اليوم نحو 430 مليون طن من البلاستيك سنويا، يذهب معظمه إلى مكبات النفايات أو البحار، ويُعاد تدوير أقل من 9% منه فقط، بينما تواصل الشركات والدول الصناعية الكبرى الدفاع عن صناعاتها الأحفورية والبلاستيكية تحت ذريعة المصالح الاقتصادية.
الأرض تحترق…
في عام 2024، ارتفعت الانبعاثات الكربونية عالميًا بنسبة 1.1% رغم التزامات اتفاق باريس، وكان العام الأشد حرارة في تاريخ القياسات المناخية. وتجاوزت الحرارة العالمية المتوسط الطبيعي بـ1.48 درجة مئوية، لتقترب أكثر من الحدّ الفاصل الذي طالما حذّر العلماء من تخطيه: 1.5 درجة. وبين ماي 2024 ومايو 2025، تعرض حوالي 4 مليارات إنسان لشهر إضافي من درجات الحرارة الشديدة، ما تسبب في موجات حر قاتلة، وفقدان محاصيل، وانتشار الأمراض. وفي القطبين الشمالي والجنوبي، تتسارع معدلات الذوبان بدرجات مقلقة، ما ينذر بتحولات بيئية وجغرافية حادة في العقود المقبلة.
ومن المفارقات المأساوية أن الدول الأكثر تضررا من آثار التغير المناخي هي الأقل مسؤولية عن انبعاثاته. فالدول النامية، التي تسهم بأقل من 20% من الانبعاثات، تواجه الجزء الأكبر من الكوارث البيئية، فيما تتنصل الدول الصناعية من مسؤولياتها المالية والبيئية.
وحسب تقديرات تقرير حديث لمنظمة “أكشن إيد”، “دين المناخ” المستحق لهذه الدول بنحو 107 تريليونات دولار، منها 36 تريليون دولار لإفريقيا وحدها، مقارنة بدين خارجي لا يتجاوز 1.45 تريليون دولار.
ولا تقف المسؤولية عند الدول، فدراسة أظهرت أن 100 شركة فقط مسؤولة عن 70% من الانبعاثات منذ أواخر الثمانينيات، معظمها شركات نفط وغاز وتكرير كبرى، لا تزال تسهم في تكريس النمط الاستهلاكي المفرط على حساب كوكب بات منهكًا.
ورغم الصورة القاتمة، هناك بصيص أمل يلوح في الأفق حيث تسعى مبادرات متعددة برعاية أممية لإحداث نقلة نوعية، منها اتفاقية حماية التنوع البيولوجي لحماية 30% من الكوكب بحلول عام 2030، واتفاقية مكافحة التصحر، وعقد المحيطات، ومساعي حثيثة للوصول إلى اتفاق عالمي ملزم للحد من التلوث البلاستيكي.
ومن جانب آخر، تتسارع وتيرة التحول نحو الطاقة المتجددة في دول كبرى مثل الصين والهند والبرازيل، بالتوازي مع وعي شعبي متزايد بأهمية الاستدامة والحفاظ على الموارد.
وفي كلمته الأخيرة، قال الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريش” بوضوح: “الإنسانية تحفر قبرها بيديها، لا يمكننا أن نستمر في حرق الوقود الأحفوري كأن شيئا لا يحدث”. وهي صرخة تتطلب إستجابة جادة، لأن “خطة إنقاذ الكوكب لم تعد تقبل التأجيل”.
وفي هذا السياق، لا يُشكل اليوم العالمي للبيئة مناسبة إحتفالية أو ذكرى سنوية فحسب، بل هو جرس إنذار صارخ، بأن الأرض على شفا هاوية من صنع البشر، وأن الوقت ينفد أمام تغيير السياسات وأنماط الحياة، ووضع تشريعات ملزمة، واستثمار هائل في الإقتصاد الأخضر والمستدام.
ولهذا فإن الخيار أمام العالم بات واضحا: إما أن يشارك العالم في إنقاذ الكوكب، أو يواصل تجاهل الحقيقة حتى لا يبقى ما يمكن إنقاذه.
التعليقات مغلقة.