النرجسية: فوبيا المجتمعات، بين الحقيقة و الوهم

هل نحن في زمن النرجسيين حقا؟

الانتفاضة/ إلهام أوكادير (صحافية متدربة)

في خِضمّ العاصفة الرقمية التي تجتاح عالمنا اليوم، و ما يجودُ به بعض المأثرين المُنتسبين لدائرة “الكوتشينغ”، دون تكوين حقيقي يُذكر، لاحظنا إنتشار مصطلح “النرجسية” كجرس إنذار، يتردد على أفواه و مسامع الغالبية، و الذي أصبح يُطلق على كل تصرف يحمل بين طياته لمحة من الكبرياء أو الانغلاق.

هكذا، باتت وسائل التواصل الاجتماعي، مسرحًا لسَيلٍ من الأحكام السريعة، التي تخلُط بين السلوك الفردي العابر والاضطراب النفسي الحقيقي، فتختزلَ تجربة الإنسان وتعقيدات شخصيته، في مجرد لقبٍ يُلقى بلا رادع أو تريث، كنتيجةٍ مباشرةٍ لما تم تعميمه من معلومات و مغالطات عبر هذه المنصّات.

إنّ اضطراب الشخصية النرجسية، كما يؤكد خبراء النفس، ليس مجرّد انفعالٍ عابر أو تهورٍ في التعبير عن الذات، بل إنه مرضٌ نفسي معقد و ذو طبقات عميقة، تتطلب تشخيصًا مهنيًا دقيقًا، لا يجري إلا على أيدي مختصين في الشق النفساني، معتمدين معايير و مناهج علمية محكمة.

وبشكل عام، يُعرف هذا الاضطراب بتلك الصورة المركبة من الشعور المتضخم بالذات، والحاجة الملحّة إلى الإعجاب، والافتقار الواضح للتعاطف مع الآخر، مع تباينٍ بالغ في مظاهرهن حيث يُقسمه العلماء إلى سبع درجات مختلفة، تتراوح بين النرجسية المفتوحة الفظة، والنرجسية الهشة التي تختبئ خلف حساسيات جُرحية، وصولًا إلى النرجسية السامة، التي تحمل في ثناياها عدوانية مزمنة وانعدامًا شبه تامٍّ للتعاطف.

ومع ذلك، فإن حقيقة انتشار هذا الاضطراب تبقى محدودة نسبيًا، إذ تُشير الدراسات إلى أن نسبة المصابين به، تتراوح  ما بين %1 و %6 من مجموع السكان، مما يطرح تساؤلات جدّية، حول مدى صحة الاعتقاد بأننا نعيش في مجتمع متفشٍّ بالنرجسية.

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل ظاهرة التشخيص العشوائي التي انتشرت بشكل مُقلق، حيث يُفسّر البعض التصرفات التي تنبع من جراح الطفولة والصدمات النفسية، مثل الجفاف العاطفي أو الانسحاب الاجتماعي أو حتى الغرور، على أنها بالضرورة أعراض لنرجسية مَرَضية.

إن هذا الخطأ في التقييم، لا يخلُص فقط إلى إلحاق الأذى بمن يُوصفون ظلماً، بل يمنع المجتمع من فهمٍ أعمق وأكثر رحمة لتعقيداتِ النفس البشرية.

ومن منطلقي، أجد من الضروري التأكيد على أن التشخيص الصحيح، لا بد أن يكون حِكرًا على المختص النفسي وحده، الذي يملك أدوات التقييم العلمي، والمعرفة العميقة، لتحديد درجة هذا الاضطراب بدقة وموضوعية، حيث أن إطلاق الأحكام المجردة، بعيدًا عن هذا الإطار، يُشكّل بلا شكّ استسهالًا فادحًا ومخاطرةً حقيقية بصحة العلاقات الإنسانية.

ولعل أكثر ما يثير الإنتباه، هو أن الشخصية النرجسية، رغم ما تحمله من تحديات في التعامل معها، تظل مرآةً صادقة، تنعكس عليها هشاشتنا البشرية، وضعفنا الداخلي الذي نسعى جميعًا لإخفائه، حيث نجد أنه في أحيانٍ كثيرة، قد يتجلى هذا الاضطراب في صورة عطاء مُفرط لا ينفك عن كونه تعويضًا عن نقصٍ عميق، أو في بخلٍ مبالغ فيه، يعكس خوفًا داخليًا من الفقدان.

وفي ختام هذه القراءة، أوجه نداءً لكل متابعينا ومجتمعنا المغربي والعربي: لنكن أكثر حكمة في التعاطي مع موضوعات الصحة النفسية، ولنمنح العلم تخصصه، ولنبتعد عن إطلاق الأحكام العشوائية، ولنفتح المجال لفهم أكثر عمقًا وإنسانية، لأن ذلك أقل ما تستحقه النفس البشرية.

التعليقات مغلقة.