الانتفاضة
تستعد بلادنا لخوض الانتخابات التشريعية لسنة 2026، باعتبارها محطة سياسية ومؤسساتية أساسية لتجديد التمثيلية الديمقراطية وفتح النقاش حول الحصيلة والبرامج والاختيارات المطروحة أمام المواطنات والمواطنين. وفي هذه اللحظة، يضطلع الإعلام بمسؤولية مركزية في ضمان حق الجمهور في المعلومة، وتوفير فضاء عمومي يسمح بتعدد الآراء وتداول الأفكار ومناقشة البدائل على أسس مهنية ومستقلة.
وانطلاقا من ذلك، تدعو الهيئات المهنية والحقوقية والمدنية الموقعة على هذا النداء، مختلف المؤسسات الإعلامية والصحافيات والصحافيين إلى جعل الانتخابات التشريعية لسنة 2026 مناسبة لتعزيز ثقة المواطنين في الصحافة، من خلال تغطية قائمة على الدقة والاستقلالية والإنصاف والتعددية السياسية والتنوع الثقافي واللغوي والمجالي في احترام أخلاقيات المهنة، بما يساعد المواطنات والمواطنين على تكوين اختياراتهم بصورة حرة وواعية.
وتبدأ هذه المسؤولية بضمان تعددية سياسية فعلية في التغطية، تسمح لمختلف التيارات والآراء والفاعلين السياسيين بالتعبير عن مواقفهم، دون إقصاء أو تمييز ودون اختزال النقاش الانتخابي في عدد محدود من الأصوات أو الوجوه. ولا ينبغي أن تتحول التعددية إلى مجرد توزيع حسابي للمساحات، بل إلى فرصة حقيقية لعرض الاختلافات في البرامج والتصورات والبدائل أمام المواطنين.
وإلى جانب التعددية السياسية، نعتبر أن جودة النقاش الإعلامي تقتضي كذلك تعزيز تنوع الأصوات والخبرات الحاضرة في البرامج والنقاشات الانتخابية، من خلال إفساح المجال أمام النساء والشباب والأشخاص في وضعية إعاقة، وغيرهم من الفئات التي قد يظل حضورها محدودا في النقاش العمومي، ليس فقط بصفتهم موضوعا للسياسات العمومية، وإنما أيضا باعتبارهم خبراء وباحثين ومحللين وفاعلين قادرين على الإسهام في تفسير القضايا ومناقشة الاختيارات.
ولهذا، ندعو المؤسسات الإعلامية إلى تجاوز منطق التغطية التي تكتفي بتتبع التجمعات الانتخابية وتصريحات قادة الأحزاب، نحو صحافة تقوم بدورها في المساءلة والتحليل والتحقق. فالانتخابات ليست سباقا على التصريحات والصور والشعارات، وإنما لحظة سياسية يفترض أن يكون فيها المواطن قادرا على الاضطلاع على ما تقترحه الأحزاب في مجالات التعليم والصحة والتشغيل والحماية الاجتماعية والاستثمار والحكامة وغيرها من القضايا التي ترتبط مباشرة بحياته اليومية ومستقبل البلاد.
ومن هذا المنطلق، فإن تناول الوعود الانتخابية ينبغي ألا يتحول إلى أحكام صحافية مباشرة بشأن قابليتها للتنفيذ، بل إلى عمل صحافي مهني يوفر للجمهور ما يكفي من المعطيات والتحليلات لفهمها وتقييمها. ويمكن للإعلام، من خلال محللين وباحثين وخبراء ذوي كفاءة واستقلالية، مناقشة كلفة المقترحات ومصادر تمويلها ومدى انسجامها مع الاختصاصات القانونية والإمكانات المتاحة، بما يسمح للمواطن ببناء حكمه الخاص.
كما يقع على عاتق المؤسسات الإعلامية تعزيز التحقق من المعطيات والأرقام والتصريحات الواردة في الخطاب الانتخابي. فالرقم الذي يقدمه حزب أو مرشح، أو المعطى الذي يستند إليه للدفاع عن حصيلة أو برنامج، ينبغي ألا يعامل باعتباره حقيقة مكتملة لمجرد وروده في تصريح سياسي، وإنما من حق الجمهور أن يعرف مصدره وسياقه ومدى دقته.
وتكتسي استقلالية القرار التحريري أهمية خاصة خلال الانتخابات، بالنظر إلى ما قد تعرفه هذه الفترات من محاولات التأثير السياسي أو الاقتصادي أو الإعلاني على المؤسسات الإعلامية. ومن ثم، فإن حماية المسافة المهنية إزاء مختلف المتنافسين، والفصل بين القرار التحريري والمصالح السياسية أو التجارية، يشكلان شرطا أساسيا لمصداقية التغطية وثقة الجمهور فيها. فلا يعني الحياد المهني التخلي عن دور الصحافة في النقد أو المساءلة، ولا مساواة المواقف المختلفة بشكل آلي، وإنما يعني إخضاع الجميع للقواعد المهنية نفسها، والتحقق من المعطيات والادعاءات، وإتاحة حق الرد، والتمييز الواضح بين الخبر والرأي والتعليق والمحتوى الإشهاري أو الدعائي.
ونعتبر في الوقت نفسه، أن التغطية الانتخابية ينبغي أن تستحضر مقاربة حقوق الإنسان في معالجة البرامج والسياسات والاختيارات المعروضة للنقاش. فقضايا التعليم والصحة والعمل والحماية الاجتماعية والمساواة والحريات العامة والولوج إلى المعلومة والمشاركة السياسية ترتبط، بدرجات مختلفة، بمنظومة الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ومن واجب الإعلام أن يساعد الجمهور على فهم الأثر الذي يمكن أن تتركه السياسات المقترحة على حقوق المواطنات والمواطنين وحرياتهم.
ويفرض الفضاء الرقمي بدوره تحديات جديدة أمام جودة النقاش الانتخابي. فقد أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية فضاء رئيسيا لتداول الخطاب السياسي والوصول إلى الناخبين، لكنها في المقابل ساهمت في تسريع انتشار المعلومات غير الدقيقة والمضامين المضللة والمحتويات التي يتم اجتزاؤها من سياقها.
ومن هنا، ندعو المؤسسات الإعلامية إلى تعزيز آليات الرصد والتحقق من الأخبار، وتطوير قدرات غرف الأخبار في التعامل مع الأخبار الزائفة والصور المركبة والفيديوهات المضللة. فمواجهة التضليل لا ينبغي أن تكون عملا موسميا مرتبطا بأيام الحملة، وإنما جزءا من المنظومة التحريرية للمؤسسات الإعلامية.
ويطرح التطور السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق تحديا إضافيا أمام مصداقية المعلومة. فأصبح بالإمكان إنتاج صور وأصوات وفيديوهات تبدو حقيقية بدرجة متزايدة، وهو ما يفرض على الصحافيين مزيدا من الحذر قبل إعادة نشر المضامين المتداولة، وعلى المؤسسات الاستثمار في أدوات وتقنيات التحقق والتكوين المستمر للصحافيين.
كما نلفت الانتباه إلى الدور المتزايد الذي أصبح يلعبه المؤثرون وصناع المحتوى في تشكيل النقاش الانتخابي. ولا يتعلق الأمر بالتشكيك في حقهم في التعبير أو المشاركة في النقاش السياسي، وإنما بضرورة وضوح طبيعة المحتوى الذي يقدمونه، خاصة عندما يتعلق الأمر بمضمون سياسي ممول أو ناتج عن اتفاق مع حزب أو مرشح أو جهة مشاركة في الحملة.
وفي السياق نفسه، تطرح الإعلانات السياسية الممولة على المنصات الرقمية أسئلة ترتبط بالشفافية ومعرفة الجهة الممولة وحجم الإنفاق والجمهور المستهدف. ومن حق المواطن أن يعرف متى يكون أمام مضمون سياسي مدفوع، ومن يقف وراءه، حتى لا يختلط التعبير السياسي العفوي بالدعاية الممولة والموجهة.
ويظل توفير شروط العمل المهني جزءا أساسيا من أي تغطية انتخابية ذات جودة. ومن هنا ندعو مختلف المؤسسات والفاعلين السياسيين إلى احترام حق الصحافيين في الوصول إلى المعلومة، وطرح الأسئلة، وحضور الأنشطة المفتوحة للصحافة، والحصول على المعطيات في ظروف متكافئة، بعيدا عن الانتقائية أو التمييز على أساس المواقف أو الخطوط التحريرية.
كما ندعو المؤسسات الإعلامية إلى اعتماد قواعد تحريرية واضحة خلال الانتخابات، وإلى الاستثمار في التكوين والتحقق والتحليل، بما يسمح للصحافي بالعمل خارج ضغط السرعة والمنافسة الرقمية وحدهما، ويحافظ على الحدود الفاصلة بين الخبر والرأي والإشهار والدعاية السياسية.
إن الهيئات الموقعة على هذا النداء، تعتبر أن نزاهة الانتخابات لا ترتبط فقط بسلامة إجراءات الاقتراع، وإنما أيضا بجودة ونزاهة وتعددية البيئة الإعلامية والإخبارية التي يتشكل داخلها اختيار الناخب.
ومن هذا المنطلق، نجدد دعوتنا إلى جعل انتخابات 2026 محطة لتعزيز إعلام مهني ومستقل وتعددي، قادر على مساءلة البرامج، والتحقق من المعلومات، وإتاحة مساحة حقيقية للاختلاف، واستحضار حقوق الإنسان والتنوع المجتمعي، ومواكبة التحولات الرقمية دون التفريط في القواعد الأساسية للمهنة.
فالديمقراطية تحتاج إلى انتخابات حرة ونزيهة، لكنها تحتاج بالقدر نفسه إلى مواطن قادر على الاختيار على أساس معلومة موثوقة، ونقاش تعددي، وصحافة حرة ومسؤولة.
الهيئات الموقعة على النداء :
-المنتدى المغربي للصحافيين الشباب.
-الفيدرالية المغربية لناشري الصحف.
-المنظمة المغربية لحقوق الإنسان.
-جمعية عدالة من أجل الحق في محاكمة عادلة.
-الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان.
-معهد بروميثيوس للديمقراطية وحقوق الإنسان.