الانتفاضة // علاء جلال
قليلون هم الذين يُقدّرون حق هذه الأيام المباركة التي نعيشها، بل ربما يتعامل معظم الناس معها وكأنها أيام عادية البعض يربطها بالصيام فقط، وآخرون يظنون أنها مختصة بمن رزق الحج فحسب، بينما هناك فريق لا يعرف عنها شيئًا أصلًا لكن تخيل معي: هذه أيام قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها الأفضل على الإطلاق، ومع ذلك تُعامل بهذه الطريقة!
“أفضل أيام الدنيا العشر – يعني عشر ذي الحجة” هكذا قالها النبي صلى الله عليه وسلم بإطلاق عام وشامل، حتى أن كثيرًا من العلماء ذهبوا إلى أن هذه الأيام تتفوق حتى على أيام رمضان! نعم، بعض العلماء استدلوا بهذا الإطلاق النبوي ليؤكدوا أنها أفضل حتى من أيام الشهر الفضيل.
ورغم ذلك، نسأل أنفسنا: لماذا يكون إقبالنا على الطاعة في رمضان مختلفًا تمامًا عن إقبالنا في عشر ذي الحجة، على الرغم من ثبوت فضلها في أحاديث صحيحة وواضحة؟
بصراحة، حاولت أن أكون واقعيًا في الإجابة عن هذا السؤال من خلال تجربتي الشخصية، وأعترف أن حالي في رمضان أفضل بكثير من حالي في هذه الأيام المباركة. ولكن لماذا؟
إذا تأملت الأمر، ستجد أن هناك عدة أسباب واضحة أولها: الشياطين في رمضان، الشياطين تُصفّد، مما يعني أن عدونا المثبط يُبعد مؤقتًا، وهذا يسهل الطاعة بشكل ملحوظ أما في عشر ذي الحجة، لا يوجد دليل على أن الشياطين تُصفّد أو أن نشاطها يقل، وهو ما يجعلنا عرضة للوساوس والمثبطات بشكل أكبر.
ثم هناك إدراك القيمة أحاديث فضائل رمضان مشهورة جدًا، يكاد لا يجهلها مسلم يعيش في بلاد المسلمين. لكن عندما يتعلق الأمر بعشر ذي الحجة، تجد أن كثيرًا من الناس يجهلون فضلها أو يظنون أن فضلها مقتصر على الحج فقط هذه المعلومات التي يُفترض أنها معروفة، هي بالنسبة للكثيرين معلومات جديدة وغريبة.
والأمر لا يتوقف هنا هذه الأيام لا تأخذ مكانها في “وجدان الناس” بمعنى أنها لا تصبح محور الحديث أو “التريند” كما هو الحال مع رمضان في رمضان، الطاعة لها طابع جماعي الجميع صائمون في وقت واحد، يتسحرون ويفطرون معًا، يصلون التراويح جماعة، والصدقات والإفطار الجماعي تُمارس بشكل واسع.
أما في عشر ذي الحجة، الوضع مختلف الطاعة فيها فردية أكثر، وحتى فريضة الحج التي ترتبط بهذه الأيام لا يقوم بها سوى عدد قليل جدًا من المسلمين كل عام ربما يكون هذا اختبارًا خاصًا لهذه الأيام، فالعبادة دون تشجيع جماعي تكون أصعب، لكنها غالبًا أعظم أجرًا انظر إلى زيد بن عمرو بن نفيل الذي كان حنيفيًا موحدًا في زمن ضاعت فيه الحنيفية تمامًا، ومع ذلك ثبت في طريقه حتى صار يُبعث يوم القيامة أمة وحده.
ثم ماذا لو كنت أنت مصدر التشجيع؟
مثلما كان الصحابيان الجليلان عبد الله بن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهما يخرجان إلى الأسواق في أيام العشر ليكبروا، فيكبر الناس بتكبيرهم فعل بسيط لكنه يحمل رسالة عظيمة: أيها الناس، هذه أيام ذكر، فاجعلوا الذكر حديث الساعة.
ولعل السبب الأخير الذي يجعلنا نتثاقل الطاعة في هذه الأيام هو عدم وضوح المطلوب في رمضان، المطالب واضحة جدًا: صيام، قيام، تلاوة قرآن، صدقات لكن في العشر، الكثير لا يعرف ماذا يفعل مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان واضحًا جدًا: “ما مِن أيَّامٍ العملُ الصَّالحُ فيها أحبُّ إلى اللَّهِ من هذِهِ الأيَّام” أي عمل صالح! الصيام، القيام، بر الوالدين، صلة الرحم، إعانة المحتاج، ذكر الله، الدعوة إليه، النصيحة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تعلم العلم… كل هذه أعمال صالحة.
لكن إذا أردت التميز في هذه الأيام، فركز على ما ركز عليه النبي صلى الله عليه وسلم: الذكر قال صلى الله عليه وسلم: “فأَكْثِرُوا فيهنَّ من التسبيحِ والتحميدِ والتكبيرِ والتهليل” وذكر العلماء أن الذكر هو العمل الأهم في هذه الأيام، حتى أن الصحابة كانوا يجهرون به لتذكير الناس.
إذا تمكنا من تجاوز هذه المثبطات، وتذكرنا فضل هذه الأيام، وأحيينا في نفوسنا ونفوس من حولنا قيمتها، وحددنا أهدافنا بوضوح، فإننا سنعيد لهذه الأيام مكانتها الحقيقية كما وصفها النبي صلى الله عليه وسلم.
التعليقات مغلقة.