الانتفاضة // حسن المولوع
آن لقلم الحق أن يسطر شهادته، وآن لصفحات التاريخ القضائي أن تخلد اسما، ما كان يوما رقمًا بين الأرقام، بل كان شعلة مضيئة في درب العدالة، فارسا من فرسان الكلمة الحرة، وعنوانا للرزانة والنزاهة والبهاء. ذلكم هو الدكتور عبد الرزاق الجباري، الرجل الذي صدق ما عاهد عليه زملاءه، وأدى الأمانة في صمت الكبار، وعزم الرجال، وحكمة العلماء.
منذ أن تَسَلَّم مقاليد المسؤولية على رأس نادي قضاة المغرب، وهو يسير بخطى واثقة، لا يلتفت إلى الخلف، حاملا مشعل الأمل في زمن التيه، وممسكا بزمام المبادرة في لحظات الشك، فكان مبدعا في الطرح، ثابتا في المبدأ، راقيا في الخلق، لا يعرف المهادنة فيما يمس هيبة القضاء، ولا يتنازل عن الحق ولو كلفه ذلك الأمان والطمأنينة.
كانت ولايته ذهبية بكل ما تحمل الكلمة من معنى. لم تكن مجرد مرحلة عابرة، بل كانت فصلا ناصعا في كتاب الاستقلالية القضائية، لحظة تاريخية انطبع فيها اسم الدكتور الجباري ببصمة الإخلاص والتجرد، فكان للعدالة نصيرا، وللقضاة أخا وسندا، وللمهنة درعا منيعا يذود عنها كل طعن، ويرفع رايتها خفاقة بين الأمم.
وقد سجّل نادي قضاة المغرب، تحت قيادته، عرسا ديمقراطيا بهيا، عرسا يُشرّف المؤسسات، ويجب أن يُدرّس في كليات الحقوق، ويكون نموذجا يُحتذى به في كل الهيئات المهنية. انتخابات نزيهة، وشفافية ناصعة، وتجسيد حي لمعاني التناوب والتجديد، بعيدا عن التحكم والتوجيه.
ركب الدكتور الجباري صهوة التحدي لا ليتباهى، بل ليرتقي بمستوى الخطاب القضائي، فكانت كل كلماته رسائل وعي، وكل مواقفه منارات رشد، وكل صمته أبلغ من الكلام.
وها هو اليوم، وهو يُسلِّم المشعل لمن بعده، يترجل من جواده منتصب القامة، رافع الرأس، نظيف الذمة، مرتاح الضمير. فقد أدى الذي عليه، وترك خلفه إرثا من المجد المهني، وذكرى طيبة ستظل تتردد على ألسنة زملائه، وقلوب كل من عرفه أو تابع خطاه.
ونحن معشر الصحافة نتابع خطوات المسؤولين ونسجل مواقفهم، ننتقد حين يكون النقد واجبا يمليه الضمير المهني، ونصفق بإعجاب حين نشهد لحظات مشرقة كتلك التي صنعها نادي قضاة المغرب في هذا العرس الديمقراطي. نفرح حين نرى رجالا من طينة الدكتور الجباري، رجالا لا تستهويهم الأضواء، ولا تُغريهم المناصب، لأنهم أوفياء للقيم، راسخون في المبدأ، صادقون في الموقف.
وللأمانة، أقولها صادقا: ليست لي معرفة شخصية بهذا الرجل، ولكنني متابع لسيرته، وتصلني أخباره من هنا وهناك، والله يشهد أن سمعة الرجل طيبة، يُذكر اسمه بانبهار، وتُروى مواقفه بإعجاب واحترام.
فطوبى لك يا دكتور عبد الرزاق، ما خُيِّرت إلا واخترت ما يرضي الله، وما قُدت إلا وكنت نعم القائد، وما نطقت إلا صدقا وعدلا.
وسيبقى اسمك نبراسا، وذكرك مسكا، وسيرتك خالدة في سجل العظماء.
التعليقات مغلقة.