مؤتمر العدالة والتنمية: مؤشرات متناقضة بين عافية التنظيم واستمرار الأزمة

الانتفاضة // بلال التليدي

هناك قدر كبير من التسرع في الحكم على نتائج مؤتمر العدالة والتنمية ورسائله، سواء من الذين سارعوا بالقول بأن الحزب تعافى ووضع قاطرته في السكة الصحيحة، أو من الذين احتفظوا بنفس التقييم السابق، واعتبروا أن ليست هناك أي مؤشرات لإمكان عودته الوشيكة إلى تحقيق الانتصارات الانتخابية.
مرجع هذا التسرع في اعتقادي هو عدم أخذ الوقت الكافي لفهم عدد من المؤشرات المتقابلة، والتي يرمز بعضها لـ”اشتعال المصباح” من جديد، ويرمز بعضها الآخر لأزمة عميقة يصعب توقع المستقبل دون استحضار تأثيراتها المحتملة.
مؤشرات التعافي النسبي ظاهرة لا يمكن إنكارها، فالعدالة والتنمية بذل مواقف سياسية قوية ضد سياسة الحكومة في الشهور الأخيرة، مكنته من تحقيق بعض الزخم السياسي، وأشعرت مناضليه بإمكان استعادة جزء مهم من الدور الذي قام به في ماضي التجربة، كما استعاد آليته التواصلية الكثيفة، سواء في الإقناع بحدوث إشعاع داخلي وخارجي مهم، أو في مواجهة خصومه الذين يخوضون ضده حملات إعلامية كثيفة.
المؤشر الثالث، الذي شكل نقطة ضوء في هذا المؤتمر هو درجة الحافزية التي تملكت مناضلي الحزب لمواجهة تحدي ذوبان الحزب وخروجه من المشهد السياسي، إذ لوحظ في خطابات المؤتمرين، أن شعورا عميقا بالخوف كان يتملكهم، وأنه كانت هناك حاجة شديدة للاحتماء بما تبقى منه، ليس من أجل استعادة دورهغقذ، بل بدرجة أولى من أجل الحفاظ عليه من الموت والزوال. لقد نجح ابن كيران في أن يحول أزمة الحزب المالية، والخلاف مع الداخلية في موضوع تقديم الدعم للحزب إلى سلاح للتعبئة الداخلية، وإقناع الحزب أنه مستهدف بالزوال، وأنه لا يوجد خيار سوى دعم المناضلين لإنقاذ الحزب من خطر وجودي يتهدده.
ويبقى المؤشر الأهم على حيوية التنظيم هو ديمقراطيته الداخلية، التي شكلت الحدث الأبرز في المؤتمر، وأثبتت قدرتها على تدبير كثير من الأزمات الداخلية التي مر منها الحزب.
المؤشرات المقابلة كثيرة، لكن في خضم الحماس لعودة دور الحزب، والعاطفة الشديدة التي سادت أجواء المناضلين، لم تتح الفرصة للعقل أن يفكر بكل هدوء فيها.
أول هذه المؤشرات، أن النسبة التي نجح بها الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، تراجعت بـ12 نقطة عن المحطة السابقة، أي 69 بدل 81 في المائة، مع مقارنة تقارب أصواته مع أصوات إدريس الأزمي على مستوى تصويت المجلس الوطني، فلم يكن الفارق سوى ثلاثة أصوات، (163 صوتا لابن كيران، 160 صوتا لإدريس الأزمي)، وتباعدها على مستوى تصويت المؤتمرين (1402 مصوتا).
هذا المؤشر المرتبط بالتراجع النسبي لشعبية ابن كيران داخل الحزب يفسر بوجود أطروحة جديدة برزت بقوة داخل الحزب تدعو إلى قيادة جديدة ونهاية دور القيادة التاريخية، يعني من جهة ثانية، أن ثقل التصويت للأمين العام للعدالة والتنمية لم يأت من نخبة الحزب (برلمان الحزب) وإنما جاء من الأطراف (مؤتمري الهيئات المجالية).
المؤشر الثاني، وهو تواتر نقد قوي لأسلوب ابن كيران في القيادة من طرف غالبية أعضاء الأمانة العامة التي شاركته تدبير المرحلة، فالمسافة بين الذين انتقدوا تدبيره، والذين ساندوه كبيرة جدا، مما يعني وجود أزمة في القيادة، أو على الأقل في تدبير القرار القيادي، وأن ما امتص هذه الأزمة هو الرغبة في مطاوعة الأمين العام، ورفض وضع العصا في عجلته.
ما يزكي هذا المؤشر، وهو ظاهرة الرفض التي تعرضت لها اقتراحات ابن كيران لعدد من أعضاء الأمانة العامة، فهي -وإن عللت بانشغال أصحابها بقضايا شخصية أو مهنية-إلا أنها تعكس رفضا من بعضهم للعمل مع ابن كيران في قيادة واحدة، بل إن الرفض جاء حتى من قبل عضو سابق في القيادة الحالية.
المؤشر الثالث، وهو عدم وجود وضوح على مستوى الرؤية المستقبلية للحزب، فليس هناك نقاط مفاتيح توضح خارطة الطريق، فباستثناء الحديث عن الرهان الانتخابي، والرغبة في العودة لسكة الانتصارات، وخوض تحدي “الحصول على المرتبة الأولى” لا شيء في الخطاب السياسي للأمين العام، يشير إلى رؤية الحزب المستقبلية، وتقييمه لتحولات الرهان السياسي، وتأثيرات تحولات الوضع الدولي والإقليمي على وضع الإسلاميين في المنطقة برمتها، فخطاب ابن كيران كله يدور حول سردية واحدة: تذكير بتاريخ الانتصارات والإنجازات (بالخصوص إنجازاته في التجربة الحكومية الأولى) وأثر التمسك بالمرجعية الإسلامية في ذلك، وغزل كثيف للمؤسسة الملكية، ونقد لاذع لحكومة عزيز أخنوش وأسلوبه في إدارة السياسة، وتأكيد على عودة الحزب بقوة للمشهد السياسي، مع تذكير بمواقف الحزب بإزاء القضية الوطنية، وتفهم موقف الدولة من التطبيع.
المراقبون لهذا الغموض في رؤية الحزب للمستقبل، لا يجدون أي تفسير لذلك في خطاب العدالة والتنمية، لكن، ثمة رأي وازن، يربط هذه الرؤية بأسلوب الأمين العام في التفاوض، وفنه في إدارة التناقضات، ورهن المستقبل بالمواقف العملية لا إفساح المجال للتفكير الجماعي الهادئ في هذه القضايا، والعمل بمنطق” لكل حادث حديث” حتى يتحرر من أي نقد سياسي من الداخل يتعلق بمدى مطابقته للأطروحة والرؤية المستقبلية للحزب، فلا رؤية إلا ما تفرضه المرحلة من توازن القوى، وما يقدره الأمين العام بنفسه.
المؤشر الثالث، يرتبط بشدة الطلب على وحدة الحزب، أو النقد لأسلوب ابن كيران في إبعاد القيادة السابقة، وعمله بمبدأ: “من أراد الالتحاق بنا، فأنا لم أمنع أحدا، ومن أراد أخذ المسافة فله ذلك”، إذ ساد في المؤتمر خطاب قوي يعتبر أن نجاح الحزب في الجواب عن التحديات القادمة مرتبط بتماسكه، وأن الخلاف القيادي لا يزال يرخي بظلاله على القواعد، وأن المرحلة تقتضي عودة هؤلاء، والقيام بجهد للمصالحة لاسترجاع القيادات الوازنة (خاصة العثماني والرميد).
ابن كيران التقط هذه المرة الإشارة، وقام بخطوة مهمة في الاتجاه، وحاول إدخال ثلاثة وزراء سابقين إلى الأمانة العامة (قبل منهم محمد يتيم، ومحمد أمكراز)، كما التقط الإشارة من كثافة النقد الموجه على خلفية “التجديد القيادي” فحاول تشبيب الأمانة العامة بنسبة أكبر، لكن طبيعة الخطوة ونوع المدمجين تطرح أسئلة حول الدواعي والخلفيات، وهل يندرج الأمر ضمن مسار المصالحة، أم تفكيك الكتل المعارضة، أم سد الباب على الناقدين.
في المحصلة، وأمام تقابل المؤشرات، يصعب الحكم على مستقبل الحزب، وما إذا كان قد استعاد عافيته بالكامل، فمن المؤكد أن هناك طلبا كثيفا على دوره السياسي على الأقل من قبل مناضليه، لكن في المقابل، ثمة تحديات كبيرة، يصعب تغطيتها بمجرد زخم سياسي أو تواصلي نسبي، فإذا كانت كاريزما ابن كيران ليست محط شك داخل الحزب، فإن البناء الداخلي أصبح يطرح أسئلة عميقة على أسلوبه في استعادة تماسك الحزب، وعودة جميع مناضليه، بما في ذلك قياداته وأطره النشطة السابقة

التعليقات مغلقة.