الانتفاضة // حسن المولوع
بالروح التي يسكنها الحرف، وبالنبض الذي لا يخون المعنى، أكتب:
كان لنا الشرف، بل هو وسام نعلّقه على صدورنا، أن كنا السباقين إلى اقتحام عشّ الدبابير، حين تجرأنا على فتح ملف الدعم العمومي المخصص للصحافة…
ليس من الهيّن أن تضع أصبعك على جرح طال نزيفه، ولا أن تزيح الستار عن وعاء طالما ظلّ مغلقا بإحكام، لكننا فعلناها، مدفوعين بإرادة لا تلين، وبضمير لا يرضى أن يرى الزيف ولا يصرخ.
ورغم العواصف التي يتعرض لها الأستاذ حميد المهدوي، من مضايقات ومتابعات، فقد تسلّح بالشجاعة، واختار أن يكون صوتا لا صدى، فكان حواره معي شرارة أشعلت الحديث، ونافذةً صغيرة أطللنا من خلالها على واحد في المائة فقط من عالم موغل في الغموض، عالم المال العمومي الذي اختبأ طويلا خلف أقنعة البلاغة، واختبأ في زوايا الصمت…
ربما القدر هو من رتّب تلك اللحظة، ولعلّ الضمير هو من قاد خطانا نحوها، فكان ذلك الحوار التاريخي والناري، لحظة فاصلة جعلت الرأي العام يفيق على واقع لم يكن يراه من قبل، وصارت تلك الحلقة الأولى مرجعا لا يُمحى، وشهادة ناطقة بمصداقية الكلمة وجرأة الموقف..
لست شامتا بالتسريبات، بل أنا حزين على ثقوب مؤسسة من مؤسسات الدولة ، لكن دعوني أفتخر قليلا… أفتخر بمهنيتي، بصدقي، وبشجاعة أخي وصديقي الأستاذ حميد المهدوي…
تعرضنا بعد بثّ الحلقة لحملة تشهير ممنهجة، لأننا اقتربنا أكثر مما ينبغي، لأننا دخلنا عشّ الدبابير دون أن نرتدي درع الصمت.
لكن جلودنا اليوم أصلب من جلود التماسيح، لا تهزّها رياح التشهير، لأننا اكتسبنا مناعة الضمير، وسلاحنا الحقيقة وحدها. وقد قلتها وأعيد تكرارها ” لقد ولجت عالم الصحافة ليس من أجل أن أسكت ” واضيف اليوم ” سكوتي هو خيانة للضمير وللرسالة التي أؤتمنت عليها ”
واليوم، أقولها لا بلسان التحدي، بل بلسان الحق:
فلتدافع عنكم قنوات التشهير…التي لا فكر لأصحابها ولا ثقافة ، ساهموا فقط في مضاعفة شعبيتنا ورسخت حب الناس إلينا ..
لقد حاولتم خنقنا بالمضايقات، ولكن أعمارنا الصحافية كانت أطول من أعمار حملاتكم…
شخصيا، لا يعنيني من سرّب، ولا كيف، ما يعنيني هو ما كُشف.
فأنا لست من أولئك الذين إذا أشرتَ لهم إلى القمر، ظلّوا يتأملون الإصبع!
أنا صحافي… والصحافي لا يعيش إلا على التسريبات، ولا يحيا إلا بالحقيقة.
إنها قضية تستوجب تدخّل النيابة العامة المختصة، لأن ما يحدث عبث لا يليق، وظلم لا يُطاق:
كيف لمدراء نشر أن يتقاضوا أجورا خيالية من المال العام، بينما منابر إعلامية نزيهة تلفظ أنفاسها الأخيرة لأنها لا تنال شيئا؟
هذا هو السؤال…
وهذه هي المعركة التي لن نتراجع عنها،
لأننا اخترنا أن نكون لا أن نبدو.
التعليقات مغلقة.