المال العام في المغرب: بين الطمأنينة المزعومة وفضائح الفساد!

الانتفاضة // وهيب الغالي

في فرنسا، حيث لا مجال للمساومة على المال العام، يسقط الجميع تحت قبضة العدالة، حتى وإن كانوا من الشخصيات الأقوى في البلاد. مارين لوبان، زعيمة حزب سياسي وبرلمانية، وقفت أمام المحكمة كما يقف أي متهم، بعد أن استغلت أموال البرلمان الأوروبي بطريقة غير قانونية. ورغم نفوذها الواسع، ورغم هيبتها السياسية، لم يكن هناك من يعفيها من عقاب القانون. النتيجة؟ أربع سنوات سجن، منها سنتان نافذتان، والحرمان من حقوقها السياسية لخمس سنوات. هذا هو المعنى الحقيقي للعدالة، التي تقف في صف المواطن البسيط وتضع السارق في مكانه الطبيعي.

أما في المغرب، حيث المال العام يُعامل كغنيمة يمكن التلاعب بها والتربح منها، يصبح الحديث عن الفساد مجرد حكايات تُروى في المقاهي أو عبر شبكات التواصل الاجتماعي. وزير وزعيم حزب سياسي يظهر على الشاشة بكل هدوء ليعلن بكل برود أن مجموعة من البرلمانيين والسياسيين القريبين من رئيس الحكومة قد حصلوا على 13 مليار سنتيم من أموال الشعب. هل تصدقون؟ 13 مليار سنتيم!

لكن ما الذي حدث بعد هذا الكشف الصادم؟ لا شيء. لا محاكمات، لا استقالات، لا أي نوع من المحاسبة. ببساطة، كان الخبر مجرد “قنبلة إعلامية” سرعان ما تلاشت في الهواء. فكما العادة، المال العام في المغرب ليس مقدسًا، بل صار مجرد لعبة بيد النخبة الحاكمة. أولئك الذين ينعمون بما تبقى من أموال الشعب، دون أن يرف لهم جفن.

وفي الوقت الذي يصبح فيه المسؤولون في فرنسا عبرة للآخرين، يعود أولئك الذين نهبوا أموال الشعب في المغرب، ليترشحوا مجددًا، ويطلبوا “فرصة جديدة” للاستمرار في “إنجازاتهم”! وكأنهم لم يسرقوا، وكأنهم لم يخونوا الأمانة.

ورثنا من فرنسا منذ الاستقلال كل شيء إلا احترام المال العام والقضاء المستقل. تلك المبادئ التي كانت أساسًا لبناء دولة القانون في فرنسا، لم نجد لها أثرًا في واقعنا السياسي والقضائي. فبينما يفاخر المسؤولون في فرنسا بجهاز قضائي مستقل يعاقب الفاسدين دون محاباة، نعيش في المغرب في واقع يعكس الفشل الذريع في حماية المال العام. المسؤولون هنا لم يتعلموا من تاريخ فرنسا في محاربة الفساد، بل بدؤوا في تكريس الفساد جزءًا من النظام، في غياب رقابة فعلية، وفي ظل قضاء مغلوب على أمره.

كيف يمكن لشعب أن يتحمل هذا الاستهتار المستمر بالمال العام؟ كيف يمكن أن يستمر الصمت في مواجهة هذه الفضائح التي تهز الأركان؟ في المغرب، المال العام ليس مجرد مال، بل هو حق للمواطنين، ومع ذلك، يظل السياسيون يعبثون به وكأنهم لا يعرفون ما تعنيه كلمة “أمانة”.

التعليقات مغلقة.