من يدفع ب (مول الحوت) في مراكش إلى فوهة البركان؟

الانتفاضة // شاكر ولد الحومة

ماذا حدث بالمغرب؟ وما الذي يحدث يا ترى؟ وتحديدا ماذا يحدث بالمدينة الحمراء؟

في الآونة الأخيرة، تتبع الرأي العام المحلي والوطني والدولي الضجة الاعلامية والفقاعة السياسية التي كان بطلها عبد الإله الجابوني، المعروف ب”مول الحوت بمراكش، الشهير ببيع الحوت بأثمنة بخسة خاصة سمك السردين ب 5 دراهم وكثر حوله اللغط وجمع حوله الصحافة والإعلام والمواقع الالكترونية والجرائد الورقية وجعلوا منه بطلا قوميا.

وتزامن ذلك مع اقتراب حلول شهر رمضان الفضيل الذي يكثر فيه اقبال المغاربة على شراء وتناول الأسماك وخاصة سمك السردين ” سمك الفقراء والمحتاجين” في المملكة الشريفة.

فبعد أن استفاق هذا الشاب ذات صباح وبدأ يصرخ أمام العادي والبادي مناديا في الجميع بأنه يبيع سمك السردين ب 5 دراهم للكيلو الواحد علما أن ثمن السردين طوال فترة ولاية عزيز أخنوش لا ينزل عن 25 أو 30 درهم، وانتشرت فيديوهات طريقته في البيع، أصبح بين ليلة وضحاها ظاهرة ليست بالصحية، يقلدها بائعي المنتجات الغذائية الأخرى بل حتى بائعي السمك في أماكن او مدن أخرى

كما أن الشاب نفسه – أي عبد الاله – الملقب بمول الحوت يشتري الصندوق الواحد من السمك سواء من أكادير أو العيون أو بوجدور أو الصويرة ب 300 درهم للصندوق الواحد، فكيف له أن يبيعه ب 5 دراهم للكيلو غرام، وهو لازال شابا يافعا صغيرا في السن.

نعم قد نتفهم تضامنه مع الطبقة الفقيرة والمعوزة والمحتاجة والتي لا تستطيع شراء السردين ب 25 أو 30 درهم للكيلو الواحد، لكن أن يبيع السردين ب 5 دراهم للكيلو الواحد لابد أن في الموضوع “إن”، وأن وراء الأكمة ما وراءها.

عبد الإله شاب مراكشي كان يبيع مع والده السمك بالدكان بحي المسيرة 1 بدون ضجيج إعلامي ولا شوشرة سوسيو اجتماعية، حتى وجد نفسه في قلب زوبعة اهتز لها الرأي العام عامة ووصل صداه إلى العالمية، كيف لشاب (ما بيه ما عليه) حتى يتخذ قرار تخفيض سعر السردين إلى 5 دقائق وعلى حين غفلة، لا بد أن هناك أمورا لا تبدو للعيان.

صحيح فالمغاربة يكتوون بارتفاع الأسعار جملة وتفصيلا، وأن المغاربة من طنجة إلى الكويرة يشتكون من غلاء الأسعار وليس السمك فقط، لكن ظل تخفيضه لسعر السردين من 20 او 30 درهم الى 5 دراهم أمرا غير مفهوم لكل من يفكر بالمنطق الاقتصادي وممتهني التجارة التي تشير في المحصلة إلى أن الأمر مدبر له بليل وأن وراء هذا التخفيض في الأثمنة وكسر القاعدة السوقية والاقتصادية بشكل مفاجئ وبدون مقدمات لعل وراءه خبراء منتفعون، واقتصاديون يحسبون نظرية البيع والشراء بالنقطة والفاصلة وهامش الربح والخسارة، لا بد أن هذا الشاب المراكشي قد دخلها من الزاوية الضيقة وأن هناك من يريد الزج به في أثون المؤامرات وإركانه في الزاوية الضيقة من المغرب الذي يتسع للجميع.

رحم الله الحسن الثاني الذي قال يوما أن المغرب هو مراكش وأن مراكش هي المغرب، الأنظار كلها اتجهت لهذا الشاب الذي كسر القاعدة الاقتصادية و (رون) النظرية البيعية والشرائية المرتكزة على العرض والطلب ليقول للعالم بأنه استطاع أن يقف في وجه التجار الكبار و (الشناقة) والشفارة كما سماهم في غير ما مرة في حواراته وخرجاته عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.

لكن دون أن ينتبه الشاب المراكشي الذي انطلت عليه الحيلة وأصبح في اعتقاد كل المهتمين والتجار والرأي العام المحلي والجهوي والوطني والدولي طعما سائغا في فك المضاربين والساسة والمحتكرين الكبار، الذين يملكون زمام التحكم في السوق السمكية بكل تفاصيلها ويحتاجون فقط لشاب من قبيل عبد الإله ليخرج إلى العلن ليقول بأنه سيبيع السردين ب 5 دراهم والباقي سيتكلف به من ورطوه وادخلوه غيابات الجب ولن يخرح منها للأسف الشديد إلا بشق الأنفس.

أزمة عبد الإله مول الحوت ليس بكونه ارتبط بمراكش أو أنه يبيع السردين بخمسة دراهم للكيلو الغرام الواحد، ولكن أزمته هي حين حاول استغلال هذا التعاطف البشري المغربي من أدنى المغرب إلى أقصاه، ليكتشف الجميع أنه إنما كان يتحايل على المغرب والمغاربة ضاربا عرض الحائط الاستقبال الولائي له لمرتين متتاليتين.

وعلى ذكر الاستقبال الولائي لوالي جهة مراكش آسفي لهذا الشاب المراكشي بعد أن أثير موضوع السمك ب 5 دراهم، يبقى السؤال المطروح من أوحى إلى الولاية استقبال عبد الإله مول الحوت؟، ولماذا تم استقباله هو بالضبط؟ ولم يستقبل غيره ممن كان لهم الفضل على المغرب والمغاربة أكبر بكثير من عبد الإله؟ وما هي حيثيات هذا الاستقبال؟ وما الذي جرى خلال اللقاء؟ وغير ذلك من الأسئلة التي لا زال المتتبعون المراكشيون والمغاربة عموما يتساءلون عن كنه فحواها ومضمونها وجوهرها.

فبعد أن اشتهر اسمه وعاد الجميع يتحدث عن عبد الإله داخل المغرب وخارجه، ببيعه للسمك ب 5 دراهم، استقبله والي مراكش مرتين وكأنه من الأبطال الفاتحين، ليخرج الشاب عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعبر المواقع الإلكترونية والجرائد الورقية مصرحا أنه تم استقباله من قبل الوالي بشكل لبق وجيد وأنه يشكر الوالي الذي أوصاه بالتعاون مع الغلابة والفقراء والمعوزين والمحتاجين.

في خطوة غير مفهومة، بعدها تم إعفاء قائد الدائرة المسيرة 1 والتي ينتمي إليها عبد الإله، وذلك بعد الاستقبال الولائي والذي أوصاه خلاله الوالي بالاشتغال وفق الشروط القانونية مع إيفاد لجنة مختلطة إلى المحل الذي يبيع فيه عبد الإله السمك والتي وقفت على أن المحل لا تتوفر فيه شروط التخزين الصحية، وأعطوه إنذارا شفويا من أجل تدارك ما يجب تداركه.

بعدها يثار موضوع إعفاء مدير سوق الجملة للأسماك في خطوة أخرى غير مفهومة، لتتناسل الأخبار على أن مول الحوت ربما يتمتع ب (كارط بلونش) وأنه وجهت له أوامر بالانسياق وراء السيناريو المحبوك بدقة، وأن عليه اتباع التعليمات التي تأتيه من (الفوق).

هذه التعليمات ربما لها أفق من خلال وجود اسم أحد البرلمانيين من مدينة بوجدور والذي أعطى لمول الحوت شاحنة مملوءة بالسمك في إشارة إلى أن أيادي خفية ربما تعبث بالشاب وتلعب بحماسه وتحرك خيوط اللعبة في الكواليس في أفق أجرأة مخططاتها كما طلب من مول الحوت.

لقد فهم الاستقبال الولائي الأول، لكن الاستقبال الولائي الثاني كانت عليه أكثر من علامة استفهام ؟ مع اعفاء مسؤولين من مهامهم هل فقط لسواد عيون عبد الاله؟، وفقط لسواد عيون الطبقة الفقيرة التي تشكو غلاء الأسعار وارتفاعها بشكل مهول.

فهل قرار بيع السردين ب 5 دراهم قرار فردي من عبد الإله؟ أم هو تدخل خارجي من بعض اللوبيات والأشخاص الذي يصطادون في الماء العكر؟، أم هو فقط لتحقيق البوز والبحث على أموال (الأدسنس) من خلال حساب على منصة التيك توك ؟ والتي يقال أنها تدخل له أموالا طائلة، وأنه استغل الأزمة والغلاء والطبقة الفقيرة والمعوزة والمحتاجة من أجل مزيد من المداخيل ولما لم تنجح له الخطة بدل (السيستيم) ووصف المخالفين والوسطاء و (الشناقة) بأقدح النعوت ووصفهم ب (الشفارة) وأن قلوبهم ليست على أبناء الشعب المقهور.

فمن له المصلحة في إخراج مول الحوت من القمقم والرمي به في أثون الصراعات والقيل والقيل حتى أصبح أشهر من نار على علم، وعاد البادي والعادي يتحدث عن عبد الإله شرقا وغربا شمالا وجنوبا وداخل المغرب وخارجه.

فلا شك أن المغرب والمغاربة مكتوون بالغلاء الفاحش والارتفاع الصاروخي للمواد الأساسية في ربوع المملكة، لكن هذا المعطى هو قديم جدا واضطرد خصوصا مع حكومة أخنوش والذي أعاد تربية المغرب والمغاربة من الصفر.

لقد تكلم الجميع على عبد الإله مول الحوت وجابت صوره المواقع الالكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، بل وتحدثت عنه القنوات العالمية، لكن كل ذلك لم يشفع لمن سماهم مول الحوت ب (الشفارة) من أجل الانتفاضة اليوم ضده في سوق الجملة بمراكش وبالضبط بالمحاميد وذلك بوصفه بأنه سب المنافسين وأن التجار الذين وصفهم ب (الشفارة) هم مدينون له بمبالغ مالية كبيرة تتراوح ما بين 12000 درهم والف درهم.

وأن مول الحوت جاء ليخلق البلبلة والفتنة وأن استقباله من قبل الوالي ليس مدعاة للتجبر والتكبر والخروج عن القوانين الجاري بها العمل في المملكة الشريفة.

فهناك من يقول، بأن الحكومة هي من خلقت هذا الإشكال للتغطية على الأسعار الغالية في مختلف المواد الاساسية، ومن يقول بأن جهات أجنبية هي التي تحرك خيوط اللعبة من أجل إشغال الرأي العام بعبد الاله في محاولة للاستمرار في التغطية على الجرائم الصهيونية الكوارث الاسرائيلية المرتكبة في حق الشعب الفلسطين الأعزل والذي راح ضحية التطبيع اليهودي و الاخرق الصهيوني، على اعتبار أنه تم في الآونة الأخيرة الدعوة إلى التضامن مع الفلسطينيين والغزاويين في مختلف شوارع مدن المملكة الشريفة لكن لا شيء من ذلك حصل ، وكل الذي حصل هو الاشتغال بمول الحوت صباحا ومساء في محاولة لتوجيه الرأي العام نحو الأكل والشرب ليس إلا.

فهل الأمر له علاقة بمؤامرة ما أو مصيدة ما؟ أو ضغط ما؟ أم أن هناك مياه تجري تحت الجسر لا يعلمها إلا الراسخون في العلم؟، خاصة وأن القوم استغلوا شهر رمضان من أجل النفخ في هذه (البالونة) التي ملأت ريحا لكنها يبدو أنها (غادي تطرطق) عاجلا أم أجلا ، وأن فزاعة مول الحوت أضحت حيلة لا تنطلي على أحد خاصة بعد ظهور بوادر لوبيات وأحزاب وشخصيات وقوى وموازين معينة قد أخذت في إظهار أجندتها المختبئة وراء عبد الاله والذي حدا حدوه عدد من المواطنين يريدون هم الآخرون شق طريقهم على نفس منواله كمول اللحم مول الدجاج ومول الخضرة ومول ماعرفت شنو..؟؟؟ لكن بتكتيكات محددة سلفا ممن يهمهم الأمر من قريب ومن بعيد.

فمن المستفيد من هذه الفزاعة؟ ومن هذه (الهالة)؟ والتي لم يستفد منها حتى أولئك الذين ظل مول الحوت يقول عنهم بالمساكين وكان يردد شعاره لا “وسطاء مع البسطاء” ليظهر جليا أن اللعبة مكشوفة وأن الشاب إنما استدرج استدراجا لسوق لا يجيد فيه اللعب وبالتالي انقلب عليه الجميع وأعطوه بالظهر في أفق ظهور عبد الاله جديد في مدينة أخرى من المدن المغربية.

من المستفيد إذن من ظاهرة عبد الاله؟ ومن له اليد الطويلة في كل هذه الزوبعة؟ وماذا يراد بالمغرب والمغاربة؟ ولماذا هذا التوقيت بالضبط؟ ولماذا استعمال السردين فقط وليس الأنواع الأخرى من الأسماك والتي لا يعرف المغاربة حتى أسماءها؟.

فهل سقطت الولاية في الفخ؟ وهل كان يعي الوالي ماذا يفعل عند استقباله له؟ وهل كانت هناك تعليمات في الموضوع؟ وكيف يستقبل الوالي شخصا مثل مول الحوت؟ ولماذا لا يستقبل شخصيات مهمة أخرى؟ وما دخل البرلماني الذي أهدى مول الحوت شاحنة من الأسماك؟ وما حقيقة امتلاك مول الحوت لسيارة وشاحنة؟ وما قصة إعفاء مسؤولين بمدينة مراكش بسبب مول الحوت؟ وما صحة الأموال التي يدينون بها التجار لمول الحوت؟ وما قصة ابتزاز أخت مول الحوت من قبل شاب يهددها بنشر صورها على وسائل التواصل الاجتماعي؟. لماذا لم يستقبل الوالي المسؤولين المباشرين عن عملية البيع والشراء من قبيل الجمعيات والمنظمات والهيئات كجمعية حماية المستهلك المعنية أولا وأخيرا بموضوع العرض والطلب والغلاء والأسعار والمواد الغذائية ولها احتكاك مباشر بالعملية الاقتصادية وبسلسلة الانتاج؟. ولماذا لم يعقد والي جهة مراكش آسفي وعامل المدينة الحمراء ندوة صحفية في الموضوع من أجل إخبار الرأي العام بكل التفاصيل والحيثيات المتعلقة بالموضوع؟ خاصة وأن ضحايا عبد الاله مول الحوت كثر وبالجملة وما فتؤوا يتساقطون الواحد تلو الآخر؟ ولماذا تمت مقاربة موضوع مول الحوت بهذه الطريقة التي سيصعد فيها نجم هذا الشاب المراكشي؟ وسيخبو فيها نجم التجار قبل أن يقرر التجار قلب الطاولة عليه وأخذ الجميع إلى أقرب دائرة أمنية من أجل كشف ملابسات هذا الموضوع الشائك والمثير. هذه الأسئلة وأسئلة كثيرة أخرى مطروحة، الأيام فقط هي الكفيلة بالإجابة عنها.

إنه مغرب التضليل الإعلامي والتيهان المجتمعي و (البوز) الفارغ والتباكي عند أول عثرة والاستنجاد بأهل الحل والعقد عند أول مشكل ومحاولة استغلال البسطاء والوسطاء من أجل إحكام القضاء على الفقراء وإشعال معاول الهدم وإخراج أسنان المشط الحارقة والتي تلتهم الأخضر واليابس، والسعي نحو تكميم الأفواه وغرس بذور الفتنة والسعي نحو تنميط الحياة المغربية وجعلها لا غائية ولا جدوائية ولا ذات منفعة ولا هدف ولا هم يسطرون.

بقي أن نشير إلى أن الوضع المجتمعي والثقافي والسياسي والفكري والاقتصادي بالمغرب لا يبشر بخير بسبب اعتلاء الأسعار لعرش القمة، وبسبب (البوز) الذي يسيطر على المشهد السياسي والثقافي المجتمعي.

التعليقات مغلقة.