الانتفاضة // حسن المولوع
لا أحد في هذا البلد تعرض لحملة تشهير مسعورة كما تعرض لها النقيب الأستاذ عبد اللطيف بوعشرين.
مات والغصة تخنق قلبه، مات دون أن يحظى بإنصاف، مات وطُوي ملفه كأنه لم يكن، كأن رجلاً مثله لم يدافع عن الحق، لم يرفع راية العدالة، لم يكن صوتاً للمظلومين…
من الأكيد أنه لن يرتاح في قبره ما دام حقه مدفوناً معه، ما دام قاتلوه المعنويون يتجولون بلا مساءلة، وما دام القضاء، الذي أقسم على حماية الشرفاء، قد خذله بصمته المهين.
لم يكن ذنبه إلا أنه مارس مهنته بشرف، دافع عن مغنية، فاصطف أعداؤها ضده، وكأن عداءهم لها يجيز لهم اغتياله أخلاقياً، وتحويله إلى مادة دسمة لخطاب الانحطاط، والتنكيل به دون أن تمتد إليه يد العدالة التي طالما دافع عن قدسيتها.
وهنا السؤال، إن كان المسؤولون في هذا البلد قد سامحوا من شهر بهم، فهل سامح عبد اللطيف بوعشرين من حوّلوه إلى محتوى مبتذل، من جعلوه هدفاً لسهام حقدهم؟ هل نسي الألم الذي مزّق روحه قبل أن يرحل؟
وأين هم نقباء المهنة الأفاضل؟ أين أولئك الذين يتحدثون عن كرامة المحامي وسمو رسالته؟ كيف سكتوا حين كان واحدٌ منهم يُسحق علناً؟ هل أصبح الخوف من بطش الأبواق أقوى من التضامن المهني؟ وأين مؤسسة القضاء التي يُقال إنها تحمي الشرفاء من أوحال التشهير؟ هل أصبحت تنتقي مظلومين لتقتص لهم، وآخرين لتلقي بهم إلى فوضى الضباع؟
لي احترام بالغ للقضاء، احترام يصل حد القداسة، وأريد لهذه القداسة أن تبقى طاهرة، شامخة، لا تشوبها بذاءة الدهماء ولا تخترقها سهام الانحطاط. فحين يصبح التشهير سيفاً مشرعاً دون رادع، وحين يفقد المظلوم ثقته في المؤسسة التي هي ظل الله في أرضه، فإننا نكون قد دمرنا آخر حصن للعدالة…
إن الله سبحانه وتعالى يغفر ويعذب، غفور رحيم وشديد العقاب، وعليه فإن قضاء بلادنا أمام مرحلة فاصلة من تاريخه، فإما أن يجفف منابع الفوضى، أو يقف متفرجاً أمام موجات الانحطاط التي تهدد هيبته.
فالمواطن، حين يلجأ إلى العدالة، إنما يلجأ إليها بعد الله سبحانه وتعالى، ولا شيء يرسّخ هذه الثقة أكثر من قضاء صارم وعادل، لا يخشى أصحاب الألسنة المسمومة، ولا يساوم على الحق.
إن قضية النقيب عبد اللطيف بوعشرين ليست مجرد قضية رجل مات مقهوراً، بل قضية ظاهرة التشهير التي تستهدف رموز هذا الوطن، وقضاء يراقب بصمت، وعدالة ترتجف أمام صخب الدهماء.
وإن لم يُنصف الراحل بوعشرين في حياته، فهل سيكون للقضاء الجرأة على إنصافه بعد موته؟
لقد كسر ضحايا التشهير جدار الخوف، ومن المرتقب أن يتوافدوا أفواجاً إلى مختلف النيابات العامة لوضع شكاياتهم، وبالتالي فالأنسب هو إغلاق الحدود في وجه من احترفوا التشهير إلى حين أن يقول القضاء كلمته ويتم إنصاف كل الضحايا، الأحياء منهم والأموات.
التشهير لا يرهب إذا كانت يد العدالة من حديد، أما إن كانت يدها من حرير، فحتى القضاة أنفسهم سيجدون أنفسهم ضحايا يبحثون عن الإنصاف!
التعليقات مغلقة.