محبّة الأولاد فضيلة

الانتفاضة/ ابراهيم السروت

إنّ محبّة الأولاد فضيلة من فضائل الفطرة الإسلامية، فهم من الأمانات التي وضعها الله تعالى في أعناق الآباء، وهم المسؤولون عنها، فإن أحسنوا إليهم بحُسن التربية، كان لهم عظيم الأجر والثواب الجزيل، وإن أساؤوا إليهم استوجبوا العقوبة.
وتُعدّ مرحلة الطفولة المرحلة الأهمّ في حياة الإنسان؛ لأنّها حجر الأساس في بناء شخصيته، إذ تشتدّ قابليته للتأثر بالعوامل المحيطة، ويكسب ألوانًا من المعرفة، وتتفتّح ميوله واتجاهاته، مثلما أنّ الطفل يولد بقوى فطرية تصلح للتوجيه، إمّا إلى الخير أو إلى الشرّ، فإذا بُنيت المرحلة بناءً صحيحًا، وذلك بوجود العناية والرعاية، تمتّع الطفل باستقرار عاطفي ونفسي، لأنّ قواه ستوجّه إلى الخير، فتنشأ شخصيته سوية، نافعة للأسرة والمجتمع.
حقوق الطفل في رسالة الحقوق:
ذكرت حقوق الطفل في نصوص متعدّدة ، وأوردت في أكثر من موضع، تارة بألفاظ صريحة وواضحة الدلالة، ظاهرة المعنى لا تحتاج إلى تفسير، كحقّ الولد وحقّ الصغير وحقّ الرعاية به، وتارة ذكرها ضمنًا، وأشار إليها من بعيد، كحقّ الزوجة، وحقّ الأمّ، وعلى ضوء ما تقدّم يمكن تقسيم حقوق الطفل إلى الأقسام الآتية:
أولًا: حقوق الطفل قبل الولادة:
أولى الإسلام أهمّية كبيرة لحقوق الطفل؛ لما لها من ارتباط وثيق بحياة الإنسان الذي كرّمه الله (عزّ وجلّ)، وجعله خليفة في الأرض، كما في قوله تعالى: “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً” (البقرة: 30)، حتى تتمّ الخلافة على أتمّ وجه، لابدّ من أن يحصل الإنسان على حقوقه التي كفلها الإسلام له، وهذه الحقوق تبدأ قبل أن يُخلق، وقبل أن يكون، فأول الحقوق التي ينبغي ضمانها للطفل قبل تكوينه هو حقّ الأسرة التي ينشأ فيها، فالأسرة هي الحجر الأساس لبناء مجتمع سليم، وقوي، ورصين، والأساس الصحيح الذي تُبنى عليه الأسرة هو الزواج، وقد بيّن الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) في أحاديث كثيرة الأسس التي تُبنى عليها الأسرة الصالحة، من أهمّها أن ينشأ الطفل في ظلّ علاقة شرعية، وأن يحسن كلّ من الشريكين اختيار الآخر، بخاصّة اختيار الزوجة؛ لأنّها ستكون أمًّا فيما بعد، مثلما جاء عن النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: “تخيّروا لنطفكم فانكحوا الأكفاء، وأنكحوا إليهم”.
لقد أوجبت الشريعة الإسلامية على الوالدين رعاية الجنين من قبل لحظة تكوينه في بطن أمّه حتى خروجه إلى الحياة، إذ حرّمت الشريعة الإجهاض، وعدّته من قتل النفس التي حرّم الله قتلها إلّا بالحقّ، ونظّمت أحكامًا خاصّة به حفاظًا على حياة الجنين، وخصّصت عقوبات لكلّ مَن يعتدي على حقّه في الحياة.
في حين أنّ القوانين الوضعية قد أهملت حقّ الجنين في الحياة، أو حقّ رعايته وأمّه، بخاصّة اتفاقية حقوق الطفل للعام (1989م)، وبعدها صدرت اتفاقية ذات طابع عالمي، جاءت لحماية حقوق الطفل، لكنّها لم تكن بمستوى الطموح لحماية حقوق الطفل، بخاصّة حقوق الطفل قبل الولادة، فكان المأمول أن تعالج هذه الاتفاقية بشكل معمّق حقوق الطفل والأمّ في مرحلة الحمل وقبل الوضع، إلّا أنّها خيّبت الآمال عندما اقتصرت في ديباجتها على توجيه الدول إلى حاجة الطفل للرعاية الخاصّة، ولم نجد فيها نصًّا واحدًا يهتمّ بتعريف الجنين، أو تجريم الإجهاض، ويعدّ هذا الأمر نقصًا غير مقبول لاتفاقية صدرت في القرن العشرين، وصادقت عليها معظم الدول، حتى المسلمة منها.
ثانيا- الحقوق الواجبة على المؤسّسة الأولى (الأسرة): اهتمّ الاسلام بهذا الجانب اهتمامًا كبيرًا حرصًا منه على قيام مجتمع سليم، وصيانةً لأفراده من الفساد، فأطفال اليوم هم شباب المستقبل ودِعامة المجتمع. فالوالدين؛ هما المؤسّسة الأولى التي يتعلّم منها الطفل، وتُعنى برعايته وتوجيهه، فهو يحتاج إلى مَن يرشده، وينمّي في نفسه الصفات الحميدة، ويهذّب سلوكه عبر غرس المبادئ والقيم السامية، فالطفل بطبيعة الحال، وبسبب قلّة خبرته يكون شديد التأثر بمحيطه، فهو يأخذ ما يُقدّم إليه، سواء كان إيجابيًا أو سلبيًا، وبما أنّ شخصيته تكون في طور التشكيل والنموّ، فيكون من السهل اقتحامها بوسائل بسيطة، فتقع مسؤولية تشكيل الطفل على الوالدين، فعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: “ألا كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيّتِهِ…”.
ثالثا- حقوق الطفل على المؤسّسة الثانية (المجتمع): من أجل إحداث التغيير في المجتمع، لابدّ من البدء بالطفل؛ لأنّه الحقل الخصب للتغيير في ما إذا لجأنا إلى الأساليب التربوية القادرة على مخاطبة عقله، وهذا لن يتحقّق إلّا بتهيئة الظروف الاجتماعية، والتعليمية، والقانونية القادرة على ذلك، وأول حقّ هو الرحمة، فهي المفتاح لتحقيق الواجبات الأخرى: “…وَأَمّا حَقّ الصّغِيرِ فَرَحْمَتُهُ، وَتَثْقِيفُهُ، وَتَعْلِيمُهُ…”، فالدول والمجتمعات تنهض بحسب مبادئ التربية لأطفالها، وعليه فالنكبات التي تتعرّض لها ما هي إلّا نتاج سوء التربية، والمبادئ التي قامت عليها تلك المجتمعات.
رابعا- حقوق الطفل على المؤسّسة التعليمية:  المؤسّسة التعليمية لا تقلّ أهمّية عن سابقتيها، فالتعلّم لا يختصّ بسنّ معيّنة، بل بإمكان الفرد أن يتعلّم في كلّ يوم ولمدى الحياة، إلّا أنّ السنوات الأولى هي أفضل مراحل التعلّم، ففيها يتلقّى نسبة كبيرة من القيم، والخصال التربوية التي يحاول المربّي زرعها في نفسه، فيبدأ الطفل طريقه نحو المجتمع الذي يعيش فيه بطريقة نظامية عبر دخوله المدرسة، وانتظامه في التعليم الذي ارتضاه المجتمع لأبنائه.

التعليقات مغلقة.