“صيدنايا” المَسْلخ البشري

الانتفاضة // لبنى الفلاح 

من المؤكد عزيزي القارئ أنك مازلت تحت هول المشاهد والصور الباعثة على الجنون والصادمة لإنسانيتنا جميعاً، أتفهم الأمر ذلك هو الحال في ظل حكم أنظمة استبدادية. شخصيا لم أنَمْ ليلتها وأنا أشاهد مقاطع الفيديو التي ضجت بمنصة «X» لمالكها «إيلون ماسك» الداعم للحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي المنتخب «دونالد ترامب».

مشهد بل هي مشاهد كثيرة لمعارضين لنظام بشار الأسد أفقدَهم التعذيب ذاكراتِهم ونَخر قِواهُم الجِسمانية، مشهدٌ آخر لطفلٍ غادر زنزانته وهو لا يَعِي الفوضى حوله وكأنه في سوق نِخاسة، ومشهد غَيْرَ لِمعارض لم يرَ أسرته 40 سنة، وآخر لمِكبس بشري تلك الآلة الحديدية الضخمة لتحويل جثث المعتقلين إلى كيلوغراميْ من اللحم والعظم، وشريطيْ فيديو ليافعيْن يتعرضان لضرب مبرحٍ من طرف جلاديهم لإقناعهما بربوبية الأسد المزيفة؛ الجلاد: من ربك؟ السجين: الأسد، الجلاد: من نبيك؟ السجين: الأسد، الجلاد: لمن تصلي؟ السجين: الأسد، الجلاد: من أبوك ومن أمك؟ السجين: الأسد. لا تعليق لكنني سأستحضر قول عبد الرحمن الكواكبي أحد رواد النهضة العربية في كتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد»: «المُستبد في لحظةِ جلوسِه على عرْشه، ووضعِ تاجه الموروث على رأسه، يرى نفسه كان إنسانا فصار إِلَها، ثم يُرجع النظر فيرى نفسه في نفس الأمر أعجز من كلُ عاجز..».

هي مشاهد كثيرة إذن، تبْعث على الجنون لمنظومة مرعبة من الشر اللامتناهي.

«صيدنايا» أنشئ في عام 1987 بمحافظة ريف دمشق، وهو أحد أكثر السجون العسكرية تحصيناً في عهد نظام حافظ الأسد ومن بعدِه نجلُه بشار الأسد، وقد أُطلِق عليه لقبُ «السجن الأحمر» في إشارةٍ لعملياتِ القتل والتعذيب الدموية التي شهدها وظل يشهدها.

له تاريخ مرعب وَوُصف بأسوإ الأماكن في العالم، اعتبَره البعض مَسْلخا بشريا وآخرون قالوا إن من يخرج منه قد وُلِدَ من جديد.

بهذا السجن الأسود الذي ازدادت شُهرته سوءًا منذ بداية الحرب السورية في ربيع عام 2011، قدر المرصد السوري لحقوق الإنسان في يناير 2021 أن 30 ألف معتقل قُتلوا بوحشية على يَدِ نظام الأسد نتيجة التعذيب وسوءِ المعاملة والإعدامات الجماعية وقد تم دفْن بقايا جثثهم في مقابر «نجها» و«القطيفة» و«قطنا»، في حين قدّرت منظمة العفو الدولية في فبراير 2017 أن ما بين 5000 و13000 شخص أُعدموا خارج نطاق القضاء في «صيدنايا» خلال الفترة الممتدة ما بين شتنبر 2011 ودجنبر 2015. وها هي وثائق سرية عُثر عليها بمحيط هذا السجن الأحمر بعد سقوط نظام الأسد قد كشفت عن عشرات السراديب والسجون السرية فيه وفي أماكن غير متوقعة من سوريا، وسَجلت بأن 300 ألف شخص بين مفقودٍ ومعتقلٍ فيما يُرجّح بأن الأعداد قد تكون أعلى من هذا الرقم في ظِل الإتلاف الكُلي للمُستندات السِرية من طرف أعوان النظام في اللحظات الأخيرة من سقوطه.

بالنسبة لتصْمِيمه وهيْكلته الإدارية والدِفاعية وعلاقته بباقي أجهزة دمشق ومؤسساتها الأمنية وكيف خُصِّص لصدِّ الهجمات الخارجية المُحتملة وقمع المعتقلين في الداخل، يقول تقرير لرابطة معتقلي ومفقودي سجن «صيدنايا»، إن المبنى الأحمر هو الأكثر دموية تكون فيه الهمجية والوحشية مُضاعفة. ووفقا لمنظمة العفو الدولية، يُشكل المدنيون أغلب المحتجزين في المبنى الأحمر، بينما يُحتجز ضباطٌ وجنود سابقون في المبنى الأبيض، أما غُرف المِلح فهي قاعات لحفظ جثث الضحايا ريثما يتم نقلها إلى مستشفى تشرين العسكري من أجل الدفن. في هذا السجن، يُوجد على الأقل غرفتان مستطيلة الشكل عرضها أربعة أمتار وطُولها خمسة أمتارٍ، أحد جدرانها من الحديد الأسود يتوسطها باب من الحديد تقع في الطابق الأول من المبنى الأحمر. فيما تتنوع أساليب التعذيب بين الضرب المُبرح بقضبان معدنية أو من السيليكون أو بأسلاك كهربائية، إضافة إلى الصعْق بالكهرباء ونزع أظافر الأيدي والأرجل والسَلْقِ بالمياه الساخنة، علاوة على تجريدِ المعتقلين من ملابسهم واتباع سياسة التجويع والحِرمان من الرعاية الصحية.

وبخصوص أمنِ وحماية السجن، فبحسب تقرير الرابطة فهذه الحماية تتم على ثلاثةِ مستوياتٍ أمنية إلى جانب مِئات الحُراس المُتمرْكزين في مواقع مختلفة؛ إذ يحمي الجدران الخارجية للسجن عناصر الشرطة الخارجية المعروفين باسم الشرطة الخارجية، أما الفرقة الثالثة للجيش السوري وهم بمثابة خطِّ الدفاع الأول للحماية من التهديدات الخارجية وكذلك منع هروبِ المعتقلين، بينما تتولى وحداتٌ منفصلة تأمين الجزء الداخلي من السجن بالإضافة إلى مراقبة وتأديب المعتقلين. كما توجد وحدة أخرى وهي الفرقة الثالثة للجيش ومُهِمتها مُراقبة جميع الاتصالات الأرضية واللاسلكية والمنطقة القريبة والمُحيطة منه. ولتأمين السجن أكثر زرعت أجهزة الأمن السوري حقْلا من الألغام في محيطه تتألف من ألغام مضادة للأفراد وأخرى مضادة للدبَّابات.

«صيدنايا» أكبر من مجردِ مكان حبسٍ وعقابٍ وإنفاذٍ للقانون، هو أكبر حتى من مسلخٍ بشري أو مقبرةِ إعدامٍ جماعية على قيْد الحياة، لكنه منظومة كاملة من الشرِّ والإيذاء والبربرية والوحشية؛ كل تفصيلة فيه صُنعت بِغِلِّ وكرهٍ وليس فيه من العشوائية شيءٌ سِوى عشوائية الشرِّ المطلق.

هي مشاهد لا يتصوَّرُها عقلٌ لكنها حدثت، فلكي يغطي نظام الأسد نفقات هذه المجازر لجأ إلى صناعة مُخدر الفقراء «الكبتاغون» وهي جزءٌ من الاقتصاد السري غير المشروع الذي أسهم في تدفق ملايير الدولارات على عائلة الأسد وعلى نِظام حكمها وخَدَمَ مصالِحها وموَّل أنشطتها. ووفقًا للتقارير الدولية بما في ذلك ما أصدره معهد «نيولاينز» والبيانات الصادرة عن الحكومة البريطانية، فإن نظام الأسد كان مسؤولا عن إنتاج ما يقارب نسبة 80% من «الكبتاغون» العالمي ما يدر عليه 5.7 ملايير دولارٍ أي ما يُعادل 6000 مليار سنتيم مغربي.

كذلك ووفقًا لتقارير المنظمات غير الحكومية تُدير عائلة الأسد نِظامًا مُعقدًا من الشركات الوهمية وواجهاتِ الشركات التي تعمل كأداةٍ لنظامِها للوصول إلى الموارد المالية عبر هياكل الشركات التي تبدو شرعيةً وكياناتٍ غير ربحية، وغسل الأموال المُكتسبة من الأنشطة الاقتصادية غير المشروعة بما في ذلك التهريب وتجارة الأسلحة والاتجار بالمخدرات والحماية والابتزاز، ما مكنها من تهريب ملايير الدولارات ضَبَطَهَا تقرير للخارجية الأمريكية في حدود مليارِ دولار إلى ملياريْ دولارِ (أي ما بين 1000 مليار سنتيم إلى 2000 مليار سنتيم مغربي)، وهي تقديرات قالت ذات الخارجية إنها ضئيلةً أمام صعوبة الوصول إلى حساباتِ الأبناك مع وجود شركاتٍ وهميةٍ لإدارة الأموال في الملاذات الضريبية كبنما وسويسرا وحساباتٍ بأسماء أعوانٍ يؤمنون هذه الثروات.

ماذا بعد هذه البربرية؟

الأخبار الوارد من الشرق الأوسط تفيد بأن القادمُ ربما قد يكون أسوأ على سوريا غير أن إسقاط نظامٍ عربي حَكَمَ بالدم والنار لأزيد من 59 سنة يعتبر في حدِّ ذاته حدثًا من الأهمية بمكان. ووفق التكهنات المُستقبلية فسوريا ستكون أمام قِوى مُتطاحنة، ومن المنتظر أن تتقسم إلى أربعِ دوَيْلاتٍ متناحرة هي: دولة الساحل حيث ينتشر العلويون واللاذقية وطرطوش وبنياس، ودولة سُنية في الشمال السوري، ودولة حِمص سوريا وهي المنطقة الوسطى الفاصلة بين الشمال والجنوب، ودولة سوريا الجنوبية على حدودِ الأردن وفلسطين.

بحسب هذه التكهنات فشرق أوسط جديد بدأت تُحدد ملامحه؛ فها هي فلسطين تكابد أمام إبادة جماعية، والعراق تعيش وضعية اللادولة ما سيجعلها ضمن مخطط دموي قادم، إلى جانب كل من مصر والأردن ودول بالمغرب العربي.

الآراء بخصوص الأحداث المتسارعة في سوريا انقسمت بين سلبي وإيجابي؛ فمنا من يرى أن الانتقال الديمقراطي في سوريا قد لا يتحقق وهو صعب المنال في ظل بسط الإسلاميين لسيطرتهم على الوضع وأن عودة الإسلام السياسي إلى الواجهة هو خرابٌ جديدٌ ينتظر سوريا وعبْرَها مُعظم الدولِ العربية، غير أنه لابد من الإشارة إلى أن «هيئة تحرير الشام» التي يتزعمها «محمد الجولاني» المجموعة التي قادت الهجوم الذي شنته القوات المعارضة لبشار الأسد في سوريا قد انشقت عن تنظيم القاعدة، قبل أن يتم تغيير اسمها من «جبهة النصرة» إلى ما هي عليه اليوم، وصارت تُقدِّم نفسها باعتبارها مجموعة معتدلة في محاولة للحصول على الشرعية، وها هي كلٌ من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تبحثان سُبُل إزالتها وزعيمها وبسرعة من القائمة السوداء.

وهنا لابد من توضيح أن أيَّ انتقال ديمقراطي في سوريا أو في أيِّ بلدٍ كان، لابد من توفّر عددٍ من المعايير الأساسية منها: التعددية السياسية (وصول الإسلاميين للحكم مثلا)، والتداول السِلمي للسلطة، وكفالة الحقوق السياسية والحريات المدنية لجميع المواطنين على قدم المساواة (العدالة الانتقالية)، ووضع دستور جديد ومؤسسات دستورية بالتوافق بين الفاعلين السياسيين الرئيسيين وباقي القوى الحية مع تحديد معالم النظام السياسي الجديد، ثم تشكيل حكومة جديدة منبثقة عن انتخابات عامة حرة ونزيهة، مع قُدرتها على المُمارسة الفِعلية للسُلطة والحُكم، وسِيادة القانون واحترامِ الفصل بين السلط التنفيذية والتشريعية والقضائية مع عدم وجود قِوى أخرى تنازع هذه السلطات في اختصاصاتها.

في الجهة الأخرى، هناك من يَرَى أن الثورة السُورية هي امتدادٌ لثورات الربيع العربي التي انطلقت شراراتُها بتونس أواخر عامِ 2010 وأطاحت بنظام زين العابدين بن علي، ومنها إلى باقي الدول العربية في عام 2011: مصر التي أطاحت برئيسها حسني مبارك، واليمن والبحرين ثم ليبيا التي أطاحت بالعقيد معمر القذافي والسودان التي أطاحت بعمر البشير، وبعدها المغرب الذي عرف تنزيل دستورٍ جديد، وأخيرا سوريا التي أنْهَت عمليةً عسكرية خاطفة لأسبوعيْن مسارَ صراعٍ طويلٍ استمر لأزيد من 13 سنة؛ وهي كلها محطاتٌ مِفصلية في تاريخ العرب الحديث لم تُستغل بالشكل الأنسب، ويتضح يوما بعد آخر أن الأمر ينتقل من سيءٍ إلى أسوإٍ ولا ديمقراطية تلوح في الأفق، لتبقى ثورة الياسمين بمساوِئِها الأنجح مقارنة مع نظيراتها في باقي الدول العربية، وهي استثناءٌ والاستثناء لا يُقاس عليه، رغم أن تونس ما تزال في مخاضٍ عسيرٍ سائرةً في درْبِ الديمقراطية وتُكابد في ظلِّ وضعٍ إقليمي مضطربٍ وأزماتٍ اقتصادية متتالية وضغوط خارجية ومحاولة انقلاب فاشلة انتهت قبل أن تبدأ.

يقال إن الديمقراطية ظاهِرها بناءٌ وباطِنُها هدْم وعمليةٌ مستمرة غير متوقفة؛ هي مسلسل حافل بالأحداث دون حلقةٍ أخيرة، فكلما وصلت الجماهير إلى درجة معيَّنة من الديمقراطية والشفافية في الحُكم إلا وطَمَحَت في المزيد وفي مكانةٍ أفضل من سَابِقاتها. وعلى كل حالٍ، فلا وجودَ لديمقراطيةٍ مثالية، كما أنها وسيلة في حدِّ ذاتها وليست غاية؛ وسيلةً لتحقيق مطالب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية التي أخْرَجت هذه الجماهير العربية خلال ثوراتِ الربيع العربي وقد تكون المحرك لثورات قادمة.

وبما أننا جزءٌ من منطقة تغْلِي منذ سنواتٍ، كان لابد من الإشارة إلى أن أوضاعنا ليست أحسن من غيرنا فملفنا الحقوقي حافلٌ بالتجاوزات، أما وضعنا الاقتصادي فالأزمة بلغت فيه حَدَّ الرِقاب، واجتماعيا نحن بلد ينزف. وفي مأزقٍ كهذا فاستضافة كأس العالم لن تفي بالغرض دون إيجاد حلول لفك الأزمة الداخلية ترقى لمستوى هذا الحدثِ التاريخي أو ذاك، وحتى لا نكون مثل بشاعة سوريا وسجون سوريا توجّب فعلاً إفراغ سجوننا من كافةِ المُعارضين للسياسة الرسمية للدولة؛ إدخال الفرحة على أهالي الريف عبر تحريك عجلة التنمية وإطلاق سراح أبنائهم ناصر الزفزافي ورفاقه فبالنهاية لم يطلبوا غير حقهم في العيش الكريم، والإفراج عن وزير حقوق الإنسان السابق النقيب محمد زيان الذي يبدو أن حتى أبشع سجون العالم في العصر الحديث وهو سجن «صيدنايا» لم يضم بين أسوارِه شيْخا اقترب عمره من الـ83 عامٌا.

هي فُرصة سانحة إذن، لتبييض سجون البلاد من معتقلي الرأي ونحن على مشارف استضافة نهائيات بطولة كأس العالم 2030 في ملفٍ مشتركٍ مع إسبانيا والبرتغال شِعاره الرسمي: «يَلَّا ڤامُوس 2030»، في إشارة إلى تنظيم أحسن نسخةٍ لكأسِ العالم في تاريخ كرة القدم، وخلْقِ حدثٍ متميزٍ يَشْتَرِك فيه كل ما هو رياضي مُمْتزِجا بالأبعاد الإنسانية والحضارية، غير أن تنظيم أحسن نسخةٍ من هذه الكأس لن يتأتى إلاَّ بتحقيق هذه الأبعاد عبر اكتساب ثقافةٍ حضارية لا طبائع الاستبداد، فَيَلَّا ڤامُوس أفرغوا السجون.

التعليقات مغلقة.