الانتفاضة// د . مولاي علي الخاميري // أستاذ جامعي – مراكش
إنه سؤال عويص ، يصعب التعامل معه بالمعايير الملاحظة في قصيدة الفصيح على سبيل المثال ، والسبب في نظري يعود إلى القواعد المتحكمة في شعر الملحون على مستوى الشكل والمضمون ، وهذا ليس موقفا سلبيا ، وليس معناه أن شعر الملحون ثابت وغير قابل للتجديد والتطوير ، إنما نحكي المعطى المتحكم في قصيدة الملحون على اعتبار الذهنيات والأفكار والحمولة التاريخية الجاثمة على مواضيعه ، بالإضافة إلى انحدار ثقافة الملحون لدى المبدعين الآن ، مما يجعل مسألة التجديد الإيجابي والمتناسق مع قصيدة الملحون في ماضيها وحاضرها ومستقبلها تنعدم ، أو تبتعد عن التحقق في الوقت الحالي ، ولنا أمل في الغد المنظور عندما تتغير الوقائع ، وتتم حلحلة العوائق ، وتزدهر ثقافة الملحون كما كان عليه الحال في أعوام ( الصابا ) والجودة .
لن تجد باحثا يستطيع أن يجعل للتجديد معالم واضحة ، ويرسم سبلها المتجسدة في قصيدة الملحون المعاصرة ، فالسؤال قليل الورود والآراء فيه مختلفة ، وحتى المضامين لا تسعف برؤية محددة وقابلة للانطلاق منها ، وتأسيس مبادئ للحوار ، والأخذ والرد على منوالها .
لحد الآن لم أجد مَن طرح مشكل التجديد في قصيدة الملحون بطريق معبد ويقيني ، ومقبول ، وله وجاهته العلمية ، وأنا هنا سأدلي بمثال من مناقشة مسألة التجديد كما مسها الدكتور عباس الجراري رحمه الله في مقدمته لديوان الشاعر المسفيوي الدمناتي رحمه الله ، فقد ساق رأي من رأى أن الدمناتي مُجَدِّد في شعره ، واتكأ في التبرير على تصورات ( بعض الذين عنوا بالشاعر الدمناتي…..) وذكر منهم المرحوم معنينو ، وحكى تفسيره للتجديد على نحو فضفاض ، وممكن لأي شاعر تَمَلَّكَ ناصية الشعر ، وعَلَّلَ بأن الشاعر المذكور كان ( يَنظِم القصائد الفريدة التي تعد كتجديد لفن الملحون في أبواب ومواضيع لم يُسبَق إليها ، وتعد من بدائعه وخصائصه بالمقدرة والكفاءة على طَرْقِ كل المواضيع السهلة…. المتداولة عند رجال الفن….وامتاز بالنوع الصعب الذي ابتكره ، وهو من بنات أفكاره ، ولم يسبق لمشايخ الملحون أن طرقوه وتذوقوه ) ومَثَّل على ذلك بقصيدة : ( الطوموبيل ) .
وبجوار هذا الرأي ساق رأيَ الدكتور البصكري ، ونظره القائل إن الشيخ الدمناتي ( كان يساير التجديد……وأنه استطاع هضم قصائد الملحون لقوة موهبته الشعرية ، وأن يأتي بشعر خاص له طابعه الخاص ، ودلالته الخاصة ، وميزته التي يتميز بها عن شعر غيره من الشعراء ) وخلص في النهاية إلى رأيه ، القائل بالمجاراة ، وليس بالتجديد ، قال الأستاذ البصكري : ( أنه – الدمناتي – استطاع أن يجاري التجديد في الشعر ، وأن يزيد من قوة هذا التجديد حسب طاقته الشعرية ) .
وقد صرح الأستاذ عباس الجراري بميله إلى رأي الأستاذ البصكري ، وحاول أن يجمع بين رأي الإثبات والنفي المتقدمين بنفي الخلاف بينهما في جوهر التجديد المدروس .
وبدوري أضيف صوتي إلى صوت الأستاذين الجراري والبصكري ولكن بإضافة مجموعة من التصورات الذاتية لموضوع التجديد في قصيدة الملحون وفق تسلسل يشمل جوانب متعددة من قصيدة الملحون :
1 – الشاعر المُجَدِّد لا ينبغي اقتصار موضوع تجديده على المواضيع المبتكرة فقط ، بل الأساس أن يكون مجددا في المواضيع العامة والقديمة والمشتركة أولا ، فهي الأصل ، ثم تأتي التفريعات الجديدة والممكنة .
2 – عنصر الكم هو عنصر مهم في التجربة الإبداعية لأي مبدع ، فلا يمكن أن يدعي أحد منا الشعر ، وليس له استدلال كمي يكشفه للقراء بشروطه المختلفة ، في مقدمتها أن يدل ذلك الكم على معالم التجربة الأساسية ، وأن يتنوع ، ويستطيع أن يستعمل ، ويستوعب كل القوالب الفكرية والفنية المتاحة أمامه ، وأن يطرد آفة التكرار على شعره ، وأن يُشعِر القارئ بحصول التطور الكفيل ، والشاهد على لحظات الزمن ، وتقلبات الفكر ، ومصادر الثقافة الدالة عليه ، ويكشف عن آثار المكان المترنح في زواياه…….إذ ذاك يمكن أن نستشهد بالكم على موضوع التجديد في التجربة الإبداعية لكل شاعر .
3 – الجديد الذي أضافه الدمناتي في شعره وبعمق ليس هو ( الطوموبيل ) وإنما هو التدليل على منزعه الفكري الذاتي العيساوي ، فأنا أرى أنه اجاد فيه بطرق لاءمت بين معطيات متعددة ومختلفة ، واستطاع أن ينقل أحاسيسه بصدق ، وأن يطوع قواعد شعر الملحون لصالح هاجسه الفكري الذاتي ذاك ، والمناسبة تذكرني بشاعر آخر يشبهه في هذه الخاصية هو الشاعر أحمد الكندوز رحمه الله ، وما فعله في شعره حين اتخذ منه وسيلة للحديث عن المنزع الحمدوشي .
4 – كيفية التجديد ومحدداته ومعاييره ومضامينه ربما تختلف من تجربة إلى أخرى ، ولكنه اختلاف غالبا ما يكون بسيطا ، وذا وجود محدد ، على أساس أن العملية الإبداعية ترجع في أصلها الفطري إلى المواهب ، ويتأسس مشروعها على تباين ذوات المبدعين ونوازعهم وقدراتهم ، وتتكون في مواضيعها من تراكمات كل الأجيال ، وعليه فلا مناص من اعتبار العناصر المشتركة المنتشرة في إبداع كل المبدعين هي الأساس في تحديد معاني التجديد ، فالذي لا يتميز في وسط الجماعة لن يستطيع فعل ذلك في نفسه وبمفرده ، ومَن ادَّعَى ذلك فهو أحمق ، أو كالأحمق المكتفي بعالمه بضيق وتيه وابتعاد من الجميع .
5 – بناء على ما قلت أريد أن أقترح اقتراح المقارنة بين العناصر المشتركة في التجارب الإبداعية على طول العصور والحقب الزمنية ، ففي الملحون يمكن أن نجمع قصائد الغرض الواحد ، ثم نرتبها ترتيبا زمنيا ، وبعد ذلك ننظر إليها بمعايير الفكر والفن ، وبالتنوع المطلوب ، ومدى استفادة كل شاعر من موهبته وثقافته ، مع الحرص على تبيان مقدار تلك الاستفادة الذاتية من كل العوامل المطروحة أمامه ، والمستعملة من قبله .
وأظن أن أي مبدع إذا حاز على كل الأوصاف المتقدمة ، وكان واعيا بها ، واستطاع أن يصيب منها ، ويُفَعِّلَها في تجربته الإبداعية بطريقته الخاصة سيكون مُؤهَّلا لفعل التجديد ، وسيُحسَبُ على المُجدِّدين بغض النظر عن الموضوع وطبيعته الزمنية ، فالمبدع الذي يتهافت على مواضيع زمنه سعيا منه لحيازة صفة التجديد هو مبدع محتال بكل ما لهذه الكلمة من معنى ، وفارغ من جهة الفكر والفن ، فقاعدة التجديد تنطلق من المشترك والمعروف بين أجيال المبدعين ، فلاعب كرة القدم في زمننا تسري عليه قواعد اللعبة القديمة ، وهي الأساس ، ثم تضاف إليها القواعد المبتكرة لمواصلة التطور ، وتحسين الأداء .
هكذا حال الإبداع ، ومنه شعر الملحون ، ينطلق من المشترك الحاصل على صفة الإجماع من لدن شعرائه وقرائه ونقاده ، وبعده يأتي ما هو خاص ، ولن يكون إلا قليلا كما قلت ، ولن يعبر إلا عن جزئية صغيرة من المشوار الإبداعي الطويل ، المُؤَسَّسِ على الرسوخ والأصالة في الفكر ، والتفنن في الرؤى والوسائل ، والمُحتَكِم إلى الذات وضرورة حضورها بتميز وتفرد ، والمُبرِز لناصيته الإبداعية القوية ، الرابطة ما بين الدواخل المُختَبِئَة والعوالم الظاهرة بقَبول واستحسان وتأثير في النفوس والعقول ، ولعمري هذا هو المضمار الحقيقي لمعنى التطور والاجتهاد والتجديد .
التعليقات مغلقة.