وانتصرت المقاومة.. Hard Luck للمُطبِّعين

الانتفاضة // لبنى الفلاح

العنوان فيه كثير من الهُزْءِ، نعم هو كذلك فهو موجه للمطبِّعين؛ فقد انتصرت المقاومة وها أنا أردد ساخرة متهكمة لهم ولكافة الدول التي وضعت يدها في يدٍ ملطخة بدماء الشهداء: Hard Luck.

العبارة غير مفهومة على بعضنا!! حسنًا، هي من أصل إنجليزي، ننطق بها عندما نرى شخصًا يعاني من حدث سيٍّء أو يفقد شيئًا مهمًا للغاية. يتم نطقها كطريقة لتعزيتهم مع المتمنيات بحظٍ وفيرٍ في أوقاتَ لاحقة، وهو أمر لن يقع عزيزي القارئ، ما دامت فصائل المقاومة تؤكد وحدة الهدف والمصير.

ماذا خسرت إسرائيل؟

في عام واحد، إسرائيل المدعومة من الدول العربية المُطَبِّعة دون الحديث عن باقي دول الغرب على رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية، لم تُحقق أيًّا من أهدافِها من العدوان على قطاع غزة، فقد فشلت في استعادة أسْرَاها لدى «حماس»، كما لم تتمكن من طردِ الحركة من القطاع وبالتالي اجتِيَاحَه.

وفق تقارير مصدرها إسرائيل، فقد أدى الهجوم منذ السابع أكتوبر 2023 والمعارك التي أعقبتها إلى مقتَل 1189 من العسكريين والمستوطنين الإسرائيليين ونحو 350 جنديا وضابطا. كما اعترف الجيش الإسرائيلي بأن لواء «غولاني» (لواء المشاة الإسرائيلي) فَقَدَ نحو 92 من ضُباطه وجنوده في هجوم كتائب القسام. فيما أكد معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، أن عدد مصابي الجيش خلال سنة كاملة من الحربِ بلغ نحو 5 آلاف بينهم 695 جراحهم خطيرة، بينما بلغ عدد المصابين المدنيين الإسرائيليين عموما 19 ألفا، ونَزَحَ من الشمال والجنوب 143 ألفا.

الخسائر الإسرائيلية لم تبقَ حَبِيسة الأفراد، فها هو الاقتصاد الإسرائيلي قد انكمش أكثر فأكثر ويواجه أزمة خانقة نتيجة الخسائر الجسيمة التي فاقَت كل التوقعات. فقدْ فَقَدَ في الأرباع الثلاثة الأخيرة استثماراتٍ بمبلغِ 60 مليارَ شِيكل (الدولار يساوي 3.7 شيكل، ما يعني أن الخسارة تضاهي 16 مليار دولار)، وربما أكثر من ذلك. بالإضافة إلى تَسَارُعِ ارتفاعِ التضخم وتضاعف عجز الميزانية الإسرائيلية إلى نسبة 8% من الناتج المحلي الإجمالي، بعدما كان في نسبة 4% قبل بدء النزاع نتيجة ارتفاع تكاليف الاقتراض الحكومي.

يأتي هذا في الوقت الذي تعرف فيه إسرائيل ارتفاعًا متزايِدًا للإنفاق العسكري، والذي بَلَغَ تقديره نحو 250 مليار شيكل (66 مليار دولار) حتى نهاية العام المقبل، أي ما يعادل نسبة 12%من الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي، الأمر الذي يُعِيقُ قدرة الحكومة على تحقيق النمو الاقتصادي المستدامِ، ويزيد من العبء المالي للدولة.

بالنسبة للشيكل الإسرائيلي هو أيضا شهد تراجعًا ملحوظًا أمام العملات الرئيسية، فالتقديرات تشير إلى أن قيمة العُملة تراجعت بنسبة 5% على الرغم من ضَخِّ البنك المركزي الإسرائيلي قُرابة 30 مليار دولار للحفاظ على قِيمَتِها، وقد أثَّرَ ذلك على رصيد إسرائيل من احتياطات النقد الأجنبي، ما أثر سلبًا على ثقة المستثمرين في السوق الإسرائيلية.

هذا، إذا أضفنا إلى ذلك التراجع الحاد في حجم الاستثمارات نتيجة الثقة المُتدَنِّيَة لدى المستثمرين، المحلِّيين والأجانب، في الحكومة الحالية، ما يؤثر مباشرة على الأرباح، وهو ما له تداعياتٍ طويلةَ الأمَدِ. عدا عن أن العديد من الشركات تواجه خطر الإغلاق بسبب عدم اليقين الناجم عن استمرار الصراع. بالإضافة إلى تراجع اليد العاملة خاصة في قطاعات مثل الزراعة والبناء التي باتت تعاني بشكل كبير جراء استمرار استدعاء الجيش الإسرائيلي قوات الاحتياط وانخفاض تصاريح العمل للفلسطينيين ما أدى إلى ارتفاع أسعار الخضراوات وتراجع معدلات بناء المساكن.

التراجع في الثِقة على مستوى الاستثمار هو الآخر أدى إلى خفضِ التصنيف الائتماني للبلاد من قِبل وكالات التصنيف الدولية، حيث خفَّضَت وكالة «ستاندرد آند بورز» للتصنيفات الائتمانية تصنيف إسرائيل على المدى الطويل من (A+) إلى (A) جرّاء المخاطر الأمنية المتزايدة على ضوء التصعيد الذي عرفه الصراع مع حزب الله في لبنان وخطر اندلاع حرب مباشرة مع إيران.

بدورها، وكالة «موديز» خفَّضت تصنيف إسرائيل الائتماني درجتيْن إلى «Baa1»، وحذرت من خفضه إلى درجة «عالي المخاطر» إذا ما تحوَّل التوتر الحالي المتصاعد مع حزب الله إلى صِراع واسع النطاق.

ودعوني لا أحدثكم هنا، عن الفشل الإسرائيلي الملحوظ في السيطرة على الصورة الإعلامية، بعدما استطاعت فصائل المقاومة ورغم التشديد الرقابي، (استطاعت) تطوير أدواتها في الحرب الإعلامية، إذ لم تعد إسرائيل تحتكر الساحة الإعلامية بفضل الجيوش الإلكترونية العربية والإسلامية التي باتت تتقفى أثر المقاومة لعدمها القضية الفلسطينية التي هي قضية أمة؛ هذه الجيوش المتفرقة اعتباطيا، عبر العالم كسرت التعتيم الإعلامي المفروض من قِبل إسرائيل، فلم تعد الرواية التاريخية يكتبُها الطرف الأقوى، بل تكتُبُها الوقائع في زمن الصورة وفي زمن أصبحت فيه وسائل الإعلام الحديثة وكاميرات الهواتف المحمولة أدواتٍ حاسمة في مواجهة القِوى العسكرية المتقدمة تكنولوجياً. ولا أدل على ذلك، الهجوم الصاروخي الإيراني الأخير على قواعد عسكرية وأمنية في قلب تل أبيب.

الفشل الإسرائيلي أظهر كذلك زيف ما روَّجت له حكومات الاحتلال مراراً منذ العدوان على غزة عاميْ 2008 و2009 لمنظومات القُبة الحديدية كوسيلة رئيسية لمنع الصواريخ الفلسطينية من الوصول إلى المدن المحتلة، وها هو الواقع يثبت العكس، والصواريخ تستهدف أكثر من 50 مدينة. علاوة على ذلك، أكدت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن عدد الصواريخ التي سقطت على المدن المُحتلة في إحدى المعارك بلغ 1350 صاروخاً، في حين لم تُسقط القبة الحديدية سِوى 230 صاروخاً فحسب، أي بنسبة 15% فقط من الصواريخ. وإن جل ما نراه من بثٍّ وصور لانفجارات في الجو كدليل على اعتراض الصواريخ ما هي إلا انفجارات ناتجة عن تفجير ذاتي لصواريخ القُبَّة الحديدية نفسها، لنصبِح بالنهاية أمام استعراض فولكلوري وليس نظاماً دفاعياً فعالاً.

سياسيا، أصبحت إسرائيل بعد سنة كاملة من الطوفان في عزلة دولية غير مسبوقة وملاحقات قضائية في المحافل الدولية، وصار قادتها ملاحقين كمجرمي حرب بجرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي الذي ارتكبوه في القطاع، أمام تزايد الدعوات في الأوساط الدولية لفرض عقوبات على إسرائيل.

في مقابل الفشل الإسرائيلي، نجحت معركة طوفان الأقصى في تأجيج الرأي العام العالمي بالوقوف على جرائم حرب الإبادة الجماعية التي تتعرّض لها غزة، ما انعكس بشكل واضح على المواقف الشعبية على مستوى العالم، وجعل عدداً من الدول تعترف بدولة فلسطين للمرة الأولى في تاريخ الصراع. عدا عن النجاح في تصويب البوصلة العربية نحو القضية الفلسطينية باعتبارها القضية المركزية للأمة، ما أحرج الدول المُطبِّعة أو تلك التي كانت سائرة نحو التطبيع وجعلتها تُراجِع مواقفها، خاصة مع الارتفاع المتزايد في عدد الشهداء والذي أصبح حتى حدود اليوم 42065 شهيدا و97886 جريحا وهي أرقام كأرقام البورصة للأسف، ترتفع بشكل يومي.

إن ما اعتبرته إسرائيل والدول الداعمة لها نجاحات تكتيكية كبيرة حققتها في الأسابيع الأخيرة، كاغتيال الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله وغيره من قادة الحزب الرئيسيين، لن يغير الديناميات الاسترتيجية للصراع في المنطقة، بل إنها هزيمة لإسرائيل من حيث لا تدري سيكون لها ما لها في المستقبل القريب؛ فإسرائيل وهي تتخلص من زعماء المقاومة فإنها تكون قد اغتالت قادة في سن متقدم يعتمدون الحِكمة كمنهاج للتخطيط والتفكير والتنفيذ، لتضع تفسها في مأزق جديد بعدما جعلت نفسها أمام قادة شباب يعتمدون بدل الحكمة والكِيَاسَة ردود الأفعال السريعة، وها هي الهجمات الأخيرة تثبت بأن ردود الأفعال بعد اغتيال حسن نصر الله قد تجاوزت الشريط الحدودي لتضع هدفًا لها قلب إسرائيل: تل أبيب وحيفا ومنطقة الخضيرة حيث منزل الرئيس الإسرائيلي «بينيامين نتنياهو»، وعموما ما يسمى «أرض إسرائيل» حيث مقرات الموساد والجيش، ففي حسابات قادة المقاومة الجدد: المدني يساوي مدني والعسكري بعسكري والقائد بقائد.

منطقة الشرق الأوسط صارت أكثر تعقيدا بعد تدمير القطاع ماديا وإنسانيا، ونشوب حرب مباشرة بين لبنان وإسرائيل، واحتمال تعرض العراق لضربات من إسرائيل، وما يجري في اليمن من توجيه ضربات إسرائيلية وبريطانية وأمريكية، وتأثيرات التراشق الإسرائيلي الإيراني المباشر على أمن الإقليم، وما يجري في البحر الأحمر، وبحر العرب، وما تعنيه هنا خريطة اليمن.

الذكرى الأولى لطوفان الأقصى ستقود إلى خيارين لا ثالث لهما: إما إلى اشتعال كامل للمنطقة، أو التهدئة من خلال تسويات علنية وسرية في ظل صمود المقاومَتَيْن الفلسطينية واللبنانية، اللتيْن أثبتتا للعالم أنهما قوة قادرة على فرض مواقفها في معادلات المنطقة، وقيام اللاعب المركزي فيما يسمى «محور المقاومة»: طهران، بإقامة توازن رادع يثبت في كل مرة قدرته على تجاوز أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية المتطورة بضربات صاروخية.

ماذا ربحت الدول المطبِّعة؟

خسرت بخسارة إسرائيل، بل أكثر من ذلك خسرت شعوبها؛ فالدول المطبعة وعبر توقيعها لاتفاقيات التطبيع تكون قد وقعت ربما على ربيع عربي جديد تؤكد كافة التقارير الدولية، أنه في طريقه إلينا، وها هي القضية الفلسطينية قد أصبحت وسيلةَ ضغطٍ بالشارع العربي خاصة مع ارتفاع منسوبِ استعمال العنف والاعتقالات وقمع الحقوق والحريات وانتشار أزمات اجتماعية واقتصادية خانقة.

وبحسب الأنباء المتوافدة دائما من منطقة الشرق الأوسط، فإن شعوبا عربية كاليمن والعراق وليبيا وسوريا وبلدان أخرى عبر أفرادها عن استعدادهم لخوض الحرب ضد الاحتلال الإسرائيلي، بل منهم من حَوَّلُوا منازلهم إلى ملاجئ لإيواء المدنيين النازحين من الحرب من نساءٍ وأطفالٍ وشيوخ، وهكذا باتت الحرب مختلفة بعدما تكرَّسَت تِلك النظرة لدى الشعوب العربية على أنها أمة واحدة أمام تحالف غربي.

كل هذه الأرقام والمعطيات سأختمها باستفتاء أجرته شبكة «الباروميتر العربي Arab Barometre» وهي أكبر بنك للبيانات المتاحة في متناول العامة حول آراء المواطنين في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. الاستفتاء الذي أجرته «البارومتر العربي» بعد اندلاع الحرب، أكد بأن الأحداث الأخيرة في غزة أدت إلى كبح جهود التطبيع، وهو ما يتماشى مع آراء المغاربة، حيث إن نسبة المواطنين الذين يؤيدون التطبيع مع إسرائيل تقلصت لتصبح 13% فقط، بعدما كانت النسبة في استفاء سابق أجرته ذات الشبكة عام 2022 نحو 31% أي بمعدل ثلاثة مغاربة من كل عشرة.

فإذن دعونا نقول للمطبِّعين: HARD LUCK.

التعليقات مغلقة.