الانتفاضة // الاستاذ // محمد عبيد
كان هناك رجل مصري غني يعاني من مرض عضال في الأمعاء، وقد اجرى عمليات كثيرة، ولكن دون جدوى.
في يوم من الأيام ركب الغني سيارته، وهو مهموم لا يعرف اين يذهب.
وفي الطريق توقف عند فرع صغير من نهر النيل في قرية صغيرة، شاهد الغني فلاحاً مفترش الأرض الطينية، ويأكل مستمتعاً بالجو.
نزل الغني من سيارته، وهو يشاهد هذا الرجل البسيط وهو يأكل بمتعة وراحة.
حين رأى الفلاح ذلك الغني ذهب إليه مسرعا، ليدعوه ليشاركه الأكل مع كوب من الشاي.
حاول الغني أن يعلم الفقير بأنه لا يستطيع أن يأكل بسبب المرض، لكن الفقير أصر على أن يشاركه وجبته المتواضعة.
فوافق الغني وجلس على كرسي أرضي وأمامه صينية الطعام المنوع (طماط وخيار وجرجير وخس وفول وفلافل وخبز، وإبريق الشاي يسخن على الفحم…).
وكي لا يرد الغني كرم الفقير، مد الغني يده وأخذ قطعة الطمام، وأخذ يرفع يده لفمه وينزلها دون أن يأكل شئ.
فلاحظ الفلاح ذلك، وظن أن الأكل ليس نظيفا أو لم يعجبه فقال له: “قل بسم الله وكل يا باشا!”.
فعلا قال بسم الله وأكل قطعة الطماطم، في لحظة، وتوقف عن الأكل مرغما.
وبعد دقائق، صرخ الغني من الألم في بطنه ووقع على الأرض من شدة ألم معدته.
خاف الفلاح وصاح على أولاده ليحملوه إلى داخل بيته الصغير.
طلب الغني من الفلاح شنطة علاجه من سيارته، وأخد المسكنات ونام.
جلس الفلاح طوال الليل يصلي، ويدعي للغني كي يرفع الله عنه المرض ويشفيه.
أفاق الرجل الغني على صوت دعاء الفلاح وهو رافع يده ويقول: “يارب تشفيه بحق المعزة”!.
استغرب الغني وهو يستمع لدعاء الفلاح حتى قبيل آذان الفجر.
أنهى الفلاح قيام الليل، وسأله الغني: “ما قصة المعزة ؟؟؟!!!”.
رد عليه الفلاح : “خبيئه بيني وبين الله!”.
أصر الغني أن يسمع ويفهم.
فقال له الفلاح حسنا سأخبرك.
في شبابي كنت عاملا بأجرة يومية مع أصحابي، وكنت أقبض أجرتي في نهاية اليوم، وكنت أدخر للزواج.
وكنت قد جمعت 35جنيها، وأرغب ليصبحوا مائة جنيه.
كان لجارنا بنت ماتت وهي تلد، وقد انجبت توأما.
ذهب والدها بين بيوت جيرانه يبحث عن مرضعة للتوأم، وكان عفيف النفس، خصوصاً ان زوج ابنته كان في (التجنيد).
في أحد الأيام سمعتُ بكاء التوأم طول الليل، وعند الصباح ذهبت لبيت جارنا لأعرف ما الأمر؟.
وجدت البيت خاليا تماماً لا يوجد بها فرش ولا أكل ولا أي شيء، و الجد غير موجود.
وعلمت بعد ذلك بأنه ذهب إلى السوق كي يبيع سرير نحاس كي يدفع أجرة المرضعة،سيما وأن كل أهل القرية مساكين ولاتوجد امرأة تستطيع صحياً أن ترضع ثلاث اطفال (طفلها و التوأم).
يقول أخذت ال 35جنيها، ونزلت إلى السوق، اشتريت فراشا، وهدوما للتوأم، وبطانية لزوم البيت.
لكن لم يكن هذا كافيا، ومن المؤكد أن هناك أشياء ناقصة أشعر بها، ولكن لا أعرف ماهي؟!.
ذهبت لبيت جاري، ووضعت المشتريات على الباب دون أن يراني أحد.
وصعدت سطح البيت أراقب ماذا سيحدث؟.
فتح الجار الباب، وأخذ الأشياء التي اشتريتها، وفرح فرحا شديدا.
لكن هناك أشياء ناقصة، ولازال بقي معي بعض النقود.
صليت… ونمت… وأنا مهموم لأجل الأطفال… لأني لم أجد حلا للأزمة.
وأنا نائم رأيت شيخا ومعه حبل.
قال لي: “اربط به المعزة في دار فلان (جاري).
أفقت من النوم… انتظرت الصباح بفارغ الصبر..وذهبت مسرعا للسوق.
واشتريت معزة مع أولادها ما تبقى معي من النقود.
وقد أجّرت عربة يجرها حمار… وقد وصفت لصاحب العربة بيت جاري، واسمه.
ومن ذاك اليوم ينام الطفل والتوأم.
وفي كل يوم أسمع دعاء جاري لصاحب المعزة.
وصارت خبيئة بيني وبين الله.
ما دعوته بها إلا واستجاب.
و إن شاء الله ربي سيشفيك.
الغني لم يقتنع بالكلام ولا بالدعاء.
ولكن في أول زيارة له للطبيب، قال له باستغراب:
“ماذا أخذت من علاج كي تلتئم كل الثقوب والالتهابات اللي في أمعائك؟!.
ذهب الغني مسرعا إلى الفلاح ليقبّل يده ويطلب منه أي شيء ليكافأه، بسبب دعاء له بالشفاء.
امسك الفلاح يد الغني وأخذه إلى بيوت الفقراء والمساكين، و قال له :”تاجِر مع الله!”.
التعليقات مغلقة.