تعتبر الأمريكية إديث وارتون من الشخصيات البارزة في الأدب الانجليزي لما أنتجته من مؤلفات و مقالات و قصص قصيرة لا زالت تشهد على عظمة امرأة سخرت حياتها للقلم، فالأميركية المولودة سنة 1862، كانت أول امرأة تفوز بجائزة البوليتزر للأدب سنة 1921، و على الرغم من شهرتها الكبيرة العالم الغربي، لكنها لم تنل نفس الشهرة في العالم العربي، و المغرب بالخصوص على الرغم من أن لها كتاب مهم يؤرخ رحلتها الاستثنائية في المغرب تحت عنوان “في المغرب” (In Morocco).
خلال إقامتها في فرنسا، جمعتها علاقات قوية مع شخصيات سياسية بارزة و من بينهم الجنرال ليوطي، المقيم العام الفرنسي الأول في المغرب”، و الذي دعاها إلى زيارة المغرب، و هي الزيارة التي تأجلت مرات عديدة بسبب ظروف الحرب العالمية الاولى التي كانت تتخبط فيها اوروبا، لتحط الرحال بالمغرب سنة 1917، لتدون انطباعاتها عن الرحلة في كتابها الذي نشر سنة 1920، و الذي دونت فيه بالتفصيل كل ما رأته و عاشته في رحلتها.
نظرا لصداقتها القوية مع ليوطي، أتيحت لإديث وارتون كل الوسائل و التسهيلات للقيام برحلتها و اكتشاف أرض المغرب و ثقافته، و لأنها ليست الشخص الغربي الوحيد الذي زار المغرب و كتب عنه ذلك الوقت، لكن إديث وارتون تصنف كواحدة من المستشرقين، فالمستشرقون الغربيون الرجال كتبوا عن الشرق لكن لم يتوغلوا في أعماقه، و كون وارتون امرأة فقد مكنها من دخول أماكن فيها فصل جنسي كالحريم، فقد وصفت بالتدقيق نساء الحريم و طبيعته، بدءا من حريم القصر السلطاني بالرباط، إلى حريم رجال آخرون ذوو مكانة اجتماعية مرموقة.
النساء يشغلون حيزا كبيرا في كتاب وارتون، و هي التي جاءت بفكرة خرافية و أسطورية عن الشرق، و عبرت عن ذلك صراحة بقولها أن “كل ما يتوقع أن يجده قارئ كتاب ألف ليلة و ليلة موجود هنا”، و نساء ألف ليلة و ليلة اللواتي يصورن تصويرا جنسيا، و يرادفن معاني الجمال و المتعة بملابسهم الحريرية و مجوهراتهن القادمة من بلاد السند و الهند، نساء سعيدات و مستسلمات لسيدهن في حريم خرافي، لكن الحريم الذي زارته الكاتبة لا يشبه كثيرا حريم ألف ليلة و ليلة.
لكن حقيقة الحريم و نسائه شكلت صدمة للكاتبة، فنساء الحريم هم بالحقيقة نساء تعيسات وجوههن صفراء من ندرة التعرض للشمس، و ثيابهن باهتة الألوان و تخلو من كل أنواع الزينة باستثناء ملابس ال”مفضلات في الحريم”. “الحريم سجن، و سجناؤه هم النساء”، و الحريم يقع في “مكان لا يصله الهواء أبدا”، كما صورت نساء الحريم كالطيور في الأقفاص، و الحالة الوحيدة التي يمكن للمرأة فيها أن تغادر جدران الحريم هي للتزوج أو لتدفن.
في كتابها أيضا، انتصرت إديث وارتون للعمارة المغربية، و اعتبرتها فنا خالصا، و يختزل قرونا من تاريخ المغرب الضارب في أعماق التاريخ، فقد زارت أغلب المآثر التاريخية بالمغرب، كمسجد حسان بالرباط، و جامع الكتبية بمراكش، بالاضافة إلى قصبة الوداية و باب المنصور بمكناس، و أبدعت في وصف تفاصيل هذه القطع الفنية التي أسرتها، كما أنها خلدت أسواق و أزقة شوارع الرباط و مراكش و فاس.
في كتابها أيضا، دافعت الأمريكية الأصل عن الاستعمار الفرنسي، خاصة و أنها خصصت فصلا كاملا للجنرال ليوطي، و اعتبرته بطلا قوميا أتى من الضفة الشمالية للمتوسط حاملا معه رسالة الحضارة و النور إلى الضفة الجنوبية منه، كما أنها أسرفت في مدح إنجازاته و مشروعه في المغرب، و هو الأمر الذي انتقده معارضو الاستعمار، فكل التبريرات لا يمكنها أن تجيز احتلال أرض الغير.
التعليقات مغلقة.