عانى المغرب في الأونة الأخيرة و لازال يعاني من قلة تساقط الأمطار، التي تحيي الامل في نفوس الفلاحين من أجل إنجاح موسمهم الفلاحي، وخاصة أن أغلب المناطق القروية تتميز بالفلاحة، حيت يستعد الفلاحون لهذا الموسم بالجد و الاجتهاد و العمل ليلا و نهارا و الاعتناء بأراضيهم و زرعها، و عند الانتهاء من الزرع ينتظرون نزول أمطار الخير من أجل حصد الخيرات التي ينتفع بها الفلاح و يجعل منها حصة لقوته اليومي.
ولكن أزمة المياه خلقت العديد من المشاكل خاصة لدى الفلاحين الذين يجعلون من الفلاحة مكسبهم الوحيد، كما ساهمت هذه الأزمة أيضا في تفاقم الأوضاع و ارتفاع أسعار الخضر و الفواكه بالمغرب، كما أن عامل المطر يعتبر سببا بارزا في جفاف و شح المياه.
ويتساءل الكثير عن ما هي الأسباب التي منعت نزول الغيت؟ لا أحد يستطيع الإجابة عن هذا السؤال، فالعلم و الغيب لله سبحانه و تعالى، ولكن هناك دلالات و اشارات ذكرها الله سبحانه و تعالى في كتابه العزيز تبين الواقع الذي نعيشه الآن، حيت جاء في قوله تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم” ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ”، فكثرة المعاصي و الابتعاد عن الله عز و جل و ارتكاب الفواحش ما ظهر منها و ما بطن تعد من أسباب عدم نزول المطر.
فقد أصبح كثير من الناس منشغلون في الأمور الدنيوية و يتسابقون نحو جمع الأموال و الاستمتاع بالحياة الدنيا والملذات و الشهوات، وهم غافلون لقوله تعالى:” وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ”.
اذن كيف لنا أن نطلب من الله جل جلاله أن يسقينا الغيث و أن يفيض علينا من بركاته و خيراته ونحن منشغلون في الأمور الدنيوية والبعيدة عن ربنا، حتى من المساجد التي من المفروض علينا أن نعمرها و نؤدي الفرائض التي أمرنا بها سبحانه و تعالى ، ولكن اذا مررت من جانب المساجد ترى فيها الإمام و القلة القليلة من الرجال المؤمنين و الصالحين الذين يريدون الآخرة و الالتحاق بالرفيق الأعلى، أما الفئة التي تجري وراء الدنيا فإنها تعمر الملاهي الليلية و المقاهي و يقضون ساعات طويلة وهم جالسون ويتعاطون لجميع أنواع المشروبات و بأموال طائلة.
اذن فكيف لهذه الفئة أن تصلي الصلاة في وقتها و أن تخرج الزكاة و أن تصدق و غيرها من الأمور التي أمرنا بها الحق سبحانه، اذ أصبح همنا اليوم هو الاستمتاع بالشهوات و المعاصي و التلذذ بها و ترك الصلاة و الزكاة، و أصبحنا نأمر بالمنكر وننهي عن المعروف، و غرقنا في الذنوب من فوق رؤوسنا إلى تحت أرجلنا.
ناهيك عن ظاهرة الاناث اللواتي يتشبهن بالرجال، و أشباه الرجال يتشبهون بالإناث، هذه الظاهرة التي انتشرت كثيرا داخل أوساط المجتمعات الإسلامية، والخطير في الأمر أننا تعايشنا مع هذه الفئة، ولا نشعر بخطورة الأمر بحيث أصبحنا بعدين كل البعد عن فالق الحب و النوى.
اذن كل هذه الأمور و هذه الأحداث التي وقعت في مجتمعنا كيف لنا أن نطلب من الله أن يسقينا الغيث و أن ينزل علينا غيثا نافعا و نحن منغمسين في المعاصي و الشهوات، بل علينا أن نخجل من أنفسنا اذ وصلنا لهذا المستوى ونحن الأمة التى بكى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبأي وجه نرفع أكف اذرعنا و نطلب من الله أن يسقينا الغيت و لا يجعلنا من القانطين.
لكن تبقى رحمة الله على عباده الضعفاء واسعة و هو الذي قال في منزل تحكيمه:”وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ”، إن الله عزو جل رؤوف بعباده، رغم ارتكابنا للذنوب و المعاصي و الابتعاد عنه إلا أن رحمته و عفوه و غفرانه على عباده التوابين.
إن الله قادر على أن يحي الأرض بعد موتها، و هو الذي لا يخفى عليه شيئ في الأرض و لا في السماء، مصداقا لقوله تعالى:” وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}.
اذا أردنا أن نطلب من الله أن ينعم علينا من خيراته و فضله و أن يسقينا غيثا نافعا فعلينا أولا أن نؤدي حق الله، و أن نطيعه فيما أمرنا به، ولا نتعدى حدود الله، و نرجو من الله التوبة و المغفرة و السداد في الدنيا و الأخيرة، و أن يرحم ضعفنا و قلة حيلتنا، ربنا لا تواخدنا ان نسينا أو اخطانا و اعف عنا و اغفر لنا و ارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين.
التعليقات مغلقة.