تجاوزنا اليوم السبعيون لعملية طوفان الأقصى وهي العملية النوعية التي قامت بها حركة حماس ضد المستوطنات الإسرائيلية يوم سابع أكتوبر من هذه السنة، و لكن الهجوم المضاد حرق في طريقه الأخضر و اليابس، و البارحة فقد العالم العربي رمزا من رموز السلطة الرابعة: سامر أبو دقة، المصور الصحفي بقناة الجزيرة، رحمه الله و اسكنه فسيح جنانه، و الذي استهدفه هجوم إسرائيلي رفقة زميله الصحفي و مدير مكتب القناة المذكورة بفلسطين، وائل د حدوح و الذي لم يسلم هو كذالك من الإصابة على مستوى اليد.
الصحفيين كانا يتواجدين بمنطقة خان يونس للقيام بمهمة رسمية، تهم مساعدة عائلة فلسطينية محاصرة بعد الهجوم على منزلها بالمنطقة و انتشال احد الآليات المهمة للدفاع المدني الذي نسق بشكل مسبق مع الصحفيين، فبعد تصوير حالة الدمار الكبيرة، ووصولهم لمناطق لم تصلها أية عدسة كاميرا مسبقا منذ بدئ العملية البرية، حتى سيارات الإسعاف و الطواقم الطبية لم يصلوا إلى هاته المناطق، حسب تصريح الصحفي وائل دحدوح لقناة الجزيرة، و يضيف: ” حاولنا من خلال تنسيقنا ان ننقل هاته المشاهد، و بينما نحن في طريق العودة سيرا على الأقدام، لأنه و من غير الممكن ان تصل السيارات إلى هذه المناطق بسبب الدمار و الخراب الموجود، فجأة حصل شيء ما، ما هو لا أستطيع أن أدري، فقط شعرت بحدث كبير وقع و أسقطني على الأرض، و سقطت الخوذة و المايك، حاولت ان استجم قوايا، لأنني توقعت ان الصاروخ الثاني راح يكون موجود، فعلا تمكنت من الوقوف و لكن عن غير اتزان، هل أدخل إلى إحدى المنازل المهدمة؟ هل هناك ورائي حائط أحتمي به بالمدرسة؟ أم أواصل طريقي؟ نظرت إلى نفسي فوجدت أن لدي نزيف حاد بين كتفي وذراعي، فأدركت أنه أن بقيت هناك سأبقى أنزف و لن يستطيع أحد الوصول إلينا، فضغطت على إحدى الجروح في اليد و حاولت ان أمشي شيئا فشيئا بجوار الحيطان، أتجاوز الأنقاض، بالسرعة التي أستطيع أن أمشي بها، حتى استطعت ان أصل إلى الشارع، شاهدت مسعفين و حاولت ان اصرخ و أشير إليهما ليتمكنا من إنقاذنا و لكن كان الوضع صعب، لصعوبة المكان الذي أتواجد فيه، فواصلت المسير حتى وصلت إليهما، و باشروا مباشرة عملية إيقاف النزيف بشكل ميدياني، ركبنا في السيارة فطلبت منهم ان نعود لزميلنا سامر ابودقة، لان صوته كان موجودا و كان يصرخ و لكن لم أشاهد أين كانت إصابته، واعتقد أنها كانت بالجزء السفلي من الجسم، ولكن رجال الإسعاف قالوا انه يجب ان نغادر فورا و نعود بسيارة أخرى إلى المكان حتى لا يتم استهدافنا جميعا”.
ترك سامر بين الدمار والخراب، بقى بمكان الحادث و هو نزيف لأكثر من خمس ساعات مع منع إسعافه، نزل الخبر على أهله و أصدقائه وذويه كالقنبلة القاتلة، و في هذه الأثناء التي نكتب بها مقالنا هذا، يوارى الثرا الزميل سامر، فقد دفن بهذه اللحظات مع وضع خوذته على قبره، لبقى رمزا من رموز العطاء و الإبداع بمهنة المتاعب، كما و أقيم عزاء لابو دقة بمنزله ببروكسيل، و هو الأب لأربعة أبناء، و كلماته الأخيرة كانت وصية لإبنه يزن أول أمس عبر مكالمة هاتفية للاهتمام بإخوانه إلى حين أن يجمع القدر بينهما، و لكن الأمنية لم يكتمل و لله ما أعطى و لله ما أخذ.
سامر ابودقة و هو من أبناء بلدة عبسان الكبيرة و ولد بها سنة ألف و تسع مائة و ثمانية و سبعون، و التحق بقناة الجزيرة سنة ألفين و أربعة، يحظى باحترام و تقدير كبيرين بين أسرته الشخصية و المهنية، و قد عرف عليه التفاؤل و الابتسامة الدائمة.
لحدود الآن فقدنا ما يقارب ثمانون صحفيا بهاته الحرب اللعينة التي لم تعد تفرق بين الخطأ و الصواب، لتبقى أسئلتنا مطروحة حتى شعار آخر: متى سيستفيق العالم العربي خاصة و العالم الغربي عامة على ما يعانيه سكان فلسطين؟ منذ متى أصبحنا ساديين نتلذذ بمشاهدة تعذيب الآخر؟ لماذا لم نأخذ من حنظله سوى استدارة ظهره للواقع المعيش
عذرا يا فلسطين فبصلتنا السيسائية خارج التغطية و الله المستعان.
التعليقات مغلقة.