الانتفاضة
بقلم الدكتورة عتيقة السعدي

إن المتأمل في الخطاب الصوفي الزويريقي يستوقفه معناه، الذي لا يتوقف عند حدود الفهم الحرفي المباشر، بل يتجاوزه إلى آخر قصدي تستدعيه مقامات التصوف، وينزاح من الدلالة المعجمية إلى دلالة المعاني الثواني، انزياحا يخضع السياق فيه للتأويل.
ونتوخى في هذا الموضوع الاقتراب من جانب خاص من التجربة الشعرية الصوفية لإسماعيل زويريق -مد الله في عمره- وهي تجربة روحية، مشبعة بالفيض الصوفي من خلال ديوانه “على النهج”، بعد أن رهن بعض قصائده بــ “السكر الصوفي”، ورأى فيه التربة الخصبة التي تنقدح منها الرؤى الصوفية. متتبعين تجليات هذا الجانب الإبداعي، وَفق جهاز صوفي يراعي مقاصد الشاعر في الكلام، عاقدين شبكة للقراءة تتضافر فيها التجربة الصوفية للشاعر واللغة الرمزية المندرجة في معجم خاص، تحدونا في ذلك رغبة البحث عن الوظيفة الرمزية لـ “السكر الصوفي”؛ لأن “إرادة قول شيء يختلف عما يقال”. كما بين ذلك بول ريكور.
وقد ترتب هذا الموضوع وفق محورين:
-السكر الصوفي: الرمز والتأويل.
-والسكر الصوفي: التجليات والآليات.
1-السكر الصوفي: الرمز والتأويل:
السكر الصوفي مقام من مقامات التصوف، ومرتبة من مراتب المريدين السالكين في طريق الله سبحانه وتعالى. إنه سكر عقلي، والسكر العقلي سكر العارفين الذين يتوخّون منه نشوة عارمة تفيض بها نفوسهم، وقد امتلأت بحب الله حتى غدت قريبة منه كل القرب.
وقد أوردوا في شعرهم منذ وقت مبكر الكأس والشراب، فلقد شوهد داود الطائي(164ه) مبتسما، فلما سئل عن دواعي ذلك قال:
| عجبت لمن يقول: ذكرتُ ربي أمــوت إذا ذكـــــرتــــك ثم أحـــيـــا فأحـــــيا بالمنى وأموت شــــوقــا شربت الحب كأسا بعد كأس | وهل أنسى فأذكرُ ما نسيتُ؟ ولـــــــولا حسن ظني ما حييت فكم أحيا عليك وكم أموت؟ فما نفد الشراب وما رويت! |
ومن المعنى المباشر للفظ إلى التأويل مرورا بالرمز تتحرك لغة التجربة الصوفية؛ لأنها تجربة عرفانية روحية تصف ما يعايشه الصوفي من مجاهدات نفسية وقلبية في مقامات البوح.
ومادام التصوف رؤيا فردية للذات وللعالم، وللغة التعبير أيضا، فقد بات ضروريا للخطاب الصوفي استثمار الرمز أداة للتعبير، ووسيلة للإيحاء ينحرف به عن الاستعمال السطحي إلى آفاق أرحب، تجليها المدلولات الكامنة وراء ظواهر الألفاظ. ولهذا أدمج ابن عربى الرمز بالإشارة في قوله: “اعلم (…)أن الرموز والألغاز ليست مرادة لأنفسها، وإنما هي مرادة لما رمزت له، ولما ألغز فيها”.
والإشارة عند الصوفية هي “ما يخفى على المتكلم كشفه بالعبارة للطافة معناه. والرمز معنى باطن مخزون تحت كلام ظاهر لا يظفر به إلا أهلُه. ويظل الرمز في حاجة دائمة إلى تأويل وتفسير، والتأويل لا يخضع للاصطلاح والتحديد، مما يجعل من النتاج الصوفي مجالا خصبا للدراسات.
إن المتصوفة – أو علماء الرسوم كما يسميهم ابن عربي- لم يكونوا يقصدون اللفظة لذاتها، بل لما ترمز إليه، فهي معرفة ذات بعدين: ذات وعالمخارجي.
ولعل طبيعة التجربة الصوفية القائمة على الكشف والذوق سببلجوء الصوفية إلى هذه اللغة الرمزية الإيحائية البعيدة عن البساطة والوضوح. كما عمدوا لاستخدام هذه اللغة الإيحائية ضنا منهم بعلمهم الباطن، اللَّدُني، الموهوب لهم من طريق غير طريق العقل أو الشرع. وهذان التفسيران صحيحان مقبولان.
ويعد الرمز أبرز المكونات التي تبرز اشتغال البعد الصوفي في الخطاب الشعري الزويريقي؛ حيث يعمد الشاعر إلى استعارة الرموز الصوفية الخاصة بالسكر الصوفي وتوظيفها في نصوصه، متخذا منها أقنعة للتعبير عن تجاربه، وطبعها بهذا الملمح الروحي المستمد من الخطاب الصوفي.
2- السكر الصوفي: التجليات والآليات
للمعجم الخمري حضور لافت للنظر في موسوعة “على النهج”، ولعل الماسك بتلابيب هذا المعجم قد يعتريه اللَّبس حين التمييز بين الشعر الخمري الحسي الخالص، وبين رديفه الصوفي.
وحتى نقبض على الدلالات الروحية للمعجم الخمري الصوفي، نستهدي بالفهوم الصوفية لهذا المعجم، مسترشدين بنص للإمام القشيري، وهو يتحدث عن الذوق والشرب يقول فيه: “ومن جملة ما يجري في كلامهم: الذوق، والشرب. ويعبرون بذلك عما يجدونه من ثمرات التجلي، ونتائج الكشوفات، وبواده الواردات.
وأول ذلك: الذوق، ثم الشرب، ثم الري. فصفاء معاملاتهم يوجب لهم ذوق المعاني. ووفاء منازلاتهم يوجب لهم الشرب. ودوام مواصلاتهم يقتضي لهم الري. فصاحب الذوق متساكر، وصاحب الشرب سكران، وصاحب الري صاح.
ومن قوي حبه تسرمد شربه، فإذا دامت به تلك الصفة لم يورثه الشرب سكرا، فكان صاحيا بالحق، فانيا عن كل حظ، لم يتأثر بما يرد عليه، ولا يتغير عما هو به”. فماهي تجليات هذه المعاني الروحية في التجربة الصوفية الزويريقية؟
2-1-العنوان الداخلي والسكر الصوفي:
العنوان بنية استباقية مكثفة؛ إذ هو أول موقع ينعقد فيه اللقاء بين الكاتب والقارئ، ومفتاح أول من مفاتيح النص، يسهم في فتح مغاليقه وسبر أغواره.
“على النهج” يكشف لنا عن الهوية الصوفية لبعض قصائده للوهلة الأولى، من خلال عناوينها، من قبيل: “إشراقات”، “الكأس”، “مقام التجلي”، “خمرة الأشواق”.
وحتى نتبين الدلالات الروحية للمعجم الخمري الزويريقي، نقترب من هذه القصائد التي وظفت الخمرة ومتعلقاتها رموزا لتحقيق السكر الصوفي.
2-2-رموز السكر الصوفي:
2-2-1-رمز الخمرة:
إن الخمرة في البناء العرفاني الصوفي ليست هي الخمرة الطبيعية المعروفة، وإنما هي رمز للحب الإلهي في أبهى صوره وأزكى تجلياته. والرمز الخمري قديم في تراث الصوفية، يرجع إلى القرن الهجري الثاني. وفيما بعد نظمت منه مطولات، منها قصيدة خمرية نونية لأبي مدين الغوث -قدس الله سره- مطلعها:
| أدِرْها لنا صرفاً ودعْ مزجها عـــــــنــــــا وغنّ لنا فالوقتُ قد طاب باســـــمـــها هي الخمرُ لم تُعرف بكرم يخصُّها مشـــــــــعشةٌيكسُو الوجوهَ جـــــــــــمالُــها | فنحنُ أناس لا نرى المزجَ مُذْ كنّا لأنّا إلــــــــــيها قـــــدْ رَحــلنــــا بها عَـــــنَّا ولـــم يجـلــها راحٌ ولم تعرف الدّنّــا وفي كل شيء من لطافتها معنى |
وقد استخدم زويريق معجم الخمر، من كأس وسقي ونديم وراح وحانة وزِقٍّ، وكرْم وداليات،وشرب وسكر،وهاتها وداوني بها وأرحنا، وغير ذلك. كما استخدم أسماء الخمرة من صهباء وسلافة ومدامة، وغير ذلك.
ولعل النظرة العَجلى في هذا المعجم تدل على أنه معجم متعلق بالخمرة الحسية الطبيعية لا شيء في ظاهر هذا يدنو من عالم التصوف، ولا شيء كهذا يمثل باطنه وذروة العرفان. فكيف تتحول الخمرة من توظيف حسي طبيعي إلى آخر رمزي؟
إن المعجم الخمري في الأدبيات الصوفية قد اكتسى دلالات جديدة ضمن دائرة الرمز الصوفي، فأضحت قصائد هذا الأدب الروحي “مبنيّة على اصطلاح الصوفية، فإنّهم يذكرون في عباراتهم الخمرة بأسمائها وأوصافها، ويريدون بها ما أدار الله تعالى على ألبابهم من المعرفة أو من الشوق والمحبّة”.
وقد تفنن شاعرنا في تناول معاني الخمر العرفاني؛ فحفلت بعض قصائده بالرموز الصوفية، في أسلوب تلويحي صوفي حافل بالعواطف الدينية المشبوبة.
بخطاب موجه من الشاعر إلى مفرد مذكر –ولعله الساقي- بتوظيف اسم فعل أمر “هات”، يأمر بإعطائه الخمرة التي لم تعد نفسه في غنى عنها، وقد غالبه الشوق إليها حين صار الدواء صعبا، يقدم وصفا لهذا القلب الظامئ للكاسات، ناسجا من بنية تكرارية لكلمتي “كاسات” و”القلب” صورتين لحالتي: “الظمأ” و”الشفاء”، يقول في إحدى همزياته:
| هاتها، ما للنفس عنها غَــنـــاء ظامئ للكاسات قلبي، وكاسا اســـــقنيها، فــــــــــلا النهار نهـــار | جابني الشوق حين عز الدواء تــــي لهـــذا القلب المُهلِّ ظــماء حــــين أهفو ولا المساء مســــاء |
وإذا كان الشعراء القدامى للخمريات قد ركزوا في وصفهم للخمرة على العتاقة منذ عهد قديم، وعلى الكروم والداليات، فالشاعر قد أتى في نطاق “قلب المعنى” بما يَنِد عن هذا الموروث ويخرج عن المألوف المتداول، فانفرد -كغيره من سائر المتصوفة- بخمرة من نوع خاص، ليست هي تلك المعتقة، ولا المستخرجة من الداليات، يوضح ذلك فيقول:
| ما أنا بالخمــــــــــر المعتـــــــــق أروى راحتي في راح الجوى، وشفائي | لا، ولا لي في الداليات شفاء في أياء مـــــا شابهــــــتْها أيــــــــــاء |
ولأن مصدر هذه الخمرة العرفانية الجنة، فقد وصفها الشاعر بالصفو والإضاءة والنور؛ للدلالة على أن “المحبة الإلهية نورانية في جوهرها؛ لأن موضوعها نور خالص، بل إنه نور الأنوار. فلا عجب أن ينعكس سناها على سيماء العرفاء والمحبين الإلهيين”.
وتتلاحق أوصاف الخمرة من المزج بالدمع إلى الصفاء والنور اللذين يستبدان بالفؤاد، فيخلقا فيه يقينا، وهو نور لا يعتري النفس منه مللا فيقول:
| مُزجت بالدمع الشفيف فراقت نـــــــــورها يــملأ الــــفــــــــــؤاد يقيـــــنا | لـــونها الصفوُ، خمرُها الأضواءُ شـــــــــربــــــها لا تـــــــــمـــــلــــه حـــــــوباء |
ويقول في تائيته:
| رأيت شآبيب الضياء تساقطت | لتملأ بالنور الإلاهي مهجتي |
وما يلبث زويريق أن يصرح بخمرة العشق التي ليس لها مثيل:
| ليَ بالخـــــــمــــر لوعـــــــــة وحنــــــــين | خــــمـــرة العشق مالها أكــــــفاء |
ومن الظلمة إلى النور تتصاعد فعالية خمرة العرفان الزويريقي، لتدخل مرحلة السكر الذي لا ينوي الشاعر براحا منه، أو بالأحرى “صحوا” منه؛ “لأن الصحو لا يكون إلاّ عن سكر، والسكر يتقدم صحوه”.
يثير الشاعر مسألة الصحو بعد السكر، باستفهام إنكاري فيقول:
| كيف أصحو ، والروح في بزغة الإش | راق صاغت أحلامها صهباء |
ومن الصفات العرفانية المسقطة على الخمرة في تحولها الرمزي- بعد أن أفاد زويريق من تراثها الشعري الحافل- أن شربها يدخل السعادة، “وكل حال لا يورث طربا وبسطا وإدلالا وإفشاء أسرار إلهية فليس بسكر، وإنما هو غيبة أو فناء أو محق”.
ولأن خمرة العشق الزويريقي تبدد الهموم والأحزان، وتهيئ لشاربها أسباب الفرح والغبطة،يتوسل الشاعر لنديمهبسقيه إلى حيث ينتهي الصلحاء، وتنجلي الهموم والأحزان:
| فاسقني حتى تنتجي الروح نـــــــــورا ليس في كأسي غير كأسِك فاجنح حـــــيث تــــــصفو مناهل الحق أنـــــوا | تــــنجلي عـــــــنـــــــه كلها الأســــــــواء بي إلى حيث ينتهي الصلحاء را تـــــــــعــــــــلّت، وللهموم انجلاء |
لم يقتصر التجلي الإلهي على حدود الكون الخارجي، بل تجاوزه إلى الداخل، ليفعل فعله في دواخل الذات البشرية، وليحرك مكون “القلب” الذي احتل مكانة سامقة في شعر زويريق الصوفي. يدل على ذلك تَكراره في هذا الشعر. وقد وظف الشاعر “القلب” عوض “العقل” لتميزه بتغير الأحوال، يقول ابن عربي: “والقلب ما سمي إلا بتقلبه في الأحوال والأمور دائما مع الأنفاس”.
2-2-2-رمز الكأس:
تتردد في ديوان سيدي زويريق مصطلحات ورموز أخرى من قبيل الكأس، الذي يظهر ناتئ الحدة في قصيدته الموسومة بــ “الكأس”، والتي يوجهنا خطابها المقدماتي الذي سبقها وجهة الفهم الصوفي لهذا المصطلح، فيقول: “الكأس في الأدب الصوفي ترمز إلى القلب بمعنى الحدس ورهافة الحس، قلب العارف يشبه بالكأس السحرية رمز القدرة على التحول والصيرورة”.
يقول زويريق:
| حسبك الكأس إذا الوجد دعا من يرى بين ثناياها السهى | وشـــــــكــــا قلبك مــــــما وجــــــعـــــــــــــا كيف لا يُحْييه منها ما جرعا |
2-2-3-الشرب:
يقول ابن عجيبة: “والشُّرْب حضورُ القلب، أو استعمال الفكرة والنظرة حتى تغيب عن وجودك في وجوده، وهو السكر. فالشرب والسُّكر متصلان في زمن واحد في هذه الخمرة بخلاف خمرة الدنيا”.
وقد كلف زويريق بالسكر الصوفي أيما كلف، فوظف بعض مستلزماته، ومنها الشرب. إذ يطالعنا فعل “شربت” منذ مستهل “التائية الوسطى”، وقد جعله فعلا مقدما في الأبيات الأولى:
| شربت على ورق السنا كأس خمرة شـــــــــــربت حمياها كأن كؤوســـــــــها تـــــــــــشابه ما في قعرها مع لونهـــــــا شــــــــــربت وما أبقيت شيئا لطالب | وفوق الــــــــــمدى تــــــنصب أثداء غيــــــمة من الخمر صيغت لا من الرمل سُدت فلســـــت أرى في شُربها أي حـــــــــــرمــــــــة فـــــــــقـــــــد كنت مشتاقا إلى كــــــــل قطــــرة |
والشراب الصوفي ليس خمرا تثقل الحواس وتضرب غشاوة على القلب، بل هي على العكس من ذلك، تغمر النفس بنشاط دفاق يوقظ فيها الوله، ويملأ القلب بحب الله:
| شربها غير الذي تعرفـــــــــه لا يبيت القــــلب إلا طـــــربا زعزع القلب من الراح وما | والذي أوحى به من شرعــــــــــا مـــــــن حمــــــياها ومـــما كرعـــا زَعْـــــــزع القلبَ سواها ورعى |
خمرة العشق أو خمرة الوجدان التي يتغنى بها زويريق الصوفي، والتي لا تعادلها خمرة في الوجود، يحتسي منها الشاعر، فيطلب المزيد بلا هوادة؛ لأنها تفتح للروح هذه العوالم الجذابة الشائقة؛ ولأنه يعاقر شرابا من نبع الوجود هو الحب الإلهي الطاهر لأنه يطلب ارتواء روحيا:
| فاسقني ألفا بعد ألف فقد طا | ب على لقياها الكريم الفناء |
يشرب الشاعر غرفة بعد غرفة من نبع محبة الرحمن فلا يرتوي، لذلك يغدو عطشه أكبر وشوقه إلى خمرة العرفان أعظم. يصور لنا حالته بين ابتداء الشرب وانتهائه، وهي حالة من عشق لا مُتناه ، وانغماس في بحر المحبة الإلهية الذي لا ساحل له ولا قرار. ونصبح أمام هذه الحالة في حلقة مفرغة لاندري طرفاها، يقول:
| فعند ابتداء الشرب أنسى مواجدي | وعند انتهاء الكأس تبدأ رغبتي |

2-2-4-الشوق:
واللافت للنظر أن شاعرنا يربط بين مصطلحي “الشرب” و”الشوق”. والشوق في اللغة: “نزاع النفس إلى الشيء، وحركة الهوى، أو تعلقها به”.
وفي الاصطلاح الصوفي يتبوأ الشوق منزلة عظيمة، فهو مرتبة من مراتب المحبة الإلهية، بل هو ثمرة لها؛ “لأن الشوق منها يتولد.”حتى إن الصوفية الكرام جعلوا منه مقاما من مقامات التصوف، وعِلما من علوم القوم الكشفية، معتبرين إياه منزلة من منازل السالكين إلى الله سبحانه وتعالى.
والشوق في هذا الخطاب يكون إلى غائب وهو حاضر، وإذا أحب العبد ربه اشتاق إليه، فإذا ب “قلوب المشتاقين منورة بنور الله تعالى، فإذا تحرك اشتياقهم أضاء النور ما بين السماء والأرض، فيعرضهم الله على الملائكة فيقول: هؤلاء المشتاقون إلي…أشهدكم أني إليهم أشوق”.
وللشوق حضور قوي في شعر الخمرة الوجداني الزويريقي، ويقصد به شوقه إلى الله عز وجل حينا، ولنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وروضته الشريفة حينا آخر. يربط الشاعر بين الشرب وبين الشوق، ويجعله سببا وداعيا للشرب فيقول:
| شربت، وما أبقيت شيئا لطالب | فقد كنت مشتاقا إلى كل قطرة |
ويضيف :
| أديم إلى كأسي التأملَ صاحيا | وقد صحَت الأشواق في موت صحوتي |
2-2-5-النديم:
في شعر زويريق الصوفي أحاديث عن طقوس الخمر، إذ يفرد مكانا في “التائية الوسطى” للحديث عن الزِّق والحانة والنديم، وقد كنى بالنديم عن السالك في طريق الله تعالى، يقول في ذلك:
| نديمي من الشرب الجميل نضيدُهُ فــــــــكان يساقــــــــيني بغــــــيــر تــــــــــردد | إذا أومأتْ يمناه تُشعل فورتي وكان يعاطيني على كل نظرة |
يكشف لنا الحوار الدائر بين الشاعر والنديم عن استلهام زويريق للتجربة الصوفية الرمزية، استلهام يتضح في الاحتفاء بالأبعاد الإشارية للحروف؛ ذلك أن لكل حرف معنى ظاهرا وآخر باطنا، والمعنى الباطن لا يُدرك إلا بالكشف. وفي هذا السياق يقول ابن عربي: “اعلموا،وفّقكم الله، أنّ الحروف سرّ من أسرار الله تعالى، والعلم بها من أشرف العلوم المخزونة عند الله، وهو من العلم المكنون المخصوص به أهل القلوب الطاهرة من الأنبياء والأولياء”.
يبلغ الشاعر بالحرف العربي حدا من البيان الفني؛ لأنه يحمل دلالة ما حملتها الكلمة، فيغوص في إشارته الرمزية، ويتوقف عند “النقطة” منه، يقول راصدا للحوار بينه وبين النديم:
| أقــــول له زدنــــــــي فيرتـــــــد ساخـــرا فقلت له دع ذا فلست كما ترى فبي تبدأ الأسماء محمودة الصدى تعببت حتى صرت غير مصدّق حوت جمعنا الجدران من غير منفذ | أأنــــــت وقد نــــــمَّ الصـــــــباح بلمَّـــــتــــــــــي أنـــــــــا نــــــــقــــــطة والله ليست كأيــــــة… لها في مقام الحق ما ليس في التي أنا اليقــــــظ الملهوف في حال غفوة يــــــــــراني وقد أخبى حرارة نشـــــــوتي |
وقد اكتنزت “النقطة” في الأدبيات الصوفية معاني عدة تحتاج إلى استبطان وكشف، فقد”ورد في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل ما في الكتب المنزلة فهو في القرآن، وكل ما في القرآن فهو في الفاتحة، وكل ما في الفاتحة فهو في بسم الله الرحمن الرحيم، وورد كل مافي البسملة فهو في الباء وكل ما في الباء فهو في النقطة التي تحت الباء). والنقطة التي تحت الباء لها البدء في كل سورة من كتاب الله تعالى؛ لأن الحرف مركب من النقطة ولا بد لكل سورة من حرفٍ هو أولها ولكل حرف نقطة هي أوله، فلزم من هذا أن النقطة أول كل سورة من كتاب الله تعالى”.
وتظهر “النقطة” بوصفها إشارة مكتنرة لمعاني عدة، يسعى زويريق الصوفي إلى بلوغ هذا المعنى، والأنس بقربه، وفي كلامه إشارة إلى صفة الإنسان الكامل، الذي هو الآدمي واندراج الكل في كماله. فقد ورد في المعجم الصوفي أن النقطة رمز الإنسان الكامل عند الصوفية، ولذلك كثرت أقوال الصوفية في تعريفهم أنفسهم إنهم “نقطة الباء. ووقوعها تحت الباء تمثيل لتبعية الموجودات للتعين الأول. أما نقطة الباء فتشير إلى وجود العالم؛ أي الموجودات. ولعل هذا ما يجعل من النص الصوفي فضاء منفتح الدلالات، متنوع التأويلات، متعدد القراءات.
خـــاتــمــة:
استنطقت هذه المقاربة التحليلية النص الصوفي الزويريقي، وسبرت أغواره، فسلطت الأضواء على ما بطن منه، ثم توقفت عند السكر الصوفي، ورصدت تجلياتهفي لحظات البوح، واتضح أن لهذا السكر معنيين؛ أولهما تحمله الصيغة اللغوية المباشرة لهذا التركيب، وثانيهما يقع خارجها، يخترق هذا التركيب ويتجاوزه إلى ما وراءه من معان،فتفقد اللغة المباشرة شفافية دلالتها، لتكتسب نوعا من الكثافة الصوفية.
ولم يقف الشاعر في توظيف السكر الصوفي عند حدود معناه الظاهر، بل تجاوزه إلى معانيه الثواني التي يقصدها إبان لحظات البوح الصوفي. فلم يبق من السكر في شعره سوى اسمه، وما يوحي به من انتشاء، وقد تحول من معطى مادي إلى آخر مثالي مجرد، فأضحى ثمرة للمحبة الإلهية، كما صارت الخمرة رمزا للحب الإلهي؛ وباعثا على أحوال الوجد والسكر المعنوي.
وبدا جليا أن “المصطلح الصوفي كرمز لا يكتسب قيمته الفنية إلا من خلال سياق القصيدة ووحدتها العضوية، وإلا فهو خارج هذا كله، عنصر مبتور لا حياة فيه ولا دور له في إثراء العمل الفني، بل هو الصفر الفني”.
إن التأويل في النص الشعري الصوفي آلية من آليات الإخفاء، وهي آلية على درجة عالية من العمق للكشف عنها. إضافة إلى ذلك فالتأويل قراءة تنتقل من اللغة المكتوبة إلى أخرى مدركة بالبصيرة تستبطنها الأولى، أو هو انتقال من المعنى إلى معنى المعنى، فيبحث عن المعاني الروحية التي تلفي في عالم الروح تعويضا عن العالم المادي المحسوس، إنه نشاط الفكر في حوار جدلي دائم مع النص والعالم.
ولاشك في أن لدى الشاعر زويريق نصوصا صوفية أخرى ثرية فنيا ودلاليا لاتزال في حاجة إلى مقاربات ترفد هذا الجانب من الإبداع الروحي، خدمة لتراثنا العربي عموما والشعري المغربي المعاصر على نحو خاص.
التعليقات مغلقة.