الانتفاضة / البداوي إدريسي
ماذا صنعت بنا التكنولوجيا ؟ بل ماذا صنعنا بأنفسنا حين جعلنا الإعجابات ” محركا لتقديرنا لذواتنا ؟”.
تبدلت الأحوال في لحظة، فألبس التافهين ثوب العظماء، و صارت الفراغات إنجازات تحتفىى، و الضوضاء فلسفة تسمع، و انهيار القيم الجوهرية أمام بريق الشهرة السطحية، صرنا نخلط الشهرة بالقيمة، و نقيس الإنسان بعدد المشاهدات، و نستبدل المعنى بالصدمة، حتى غدت الشاشات مرايا مشوهة تقنعنا أن التشوه طبيعي، و أن الوقاحة جرأة، و أن الإنحدار ” ترند “،هذا ليس ” عصر محتوى”، بل عصر ابتزاز عاطفي رقمي : يبتلع وقتنا، و يستأجر مشاعرنا، و يعيد تشكيل ذائقتنا دون أن نشعر، المنصة تغري، نعم، لكنها لا تجبر؛ نحن من فتح الباب، و نحن من صفق، و نحن من روج، حين صار الضار حرا طليقا، صار النافع محاصرا بالبرود و السخرية: “ممل”، ” متفلسف “، ” كبرت الموضوع “، و هكذا تقتل الفكرة قبل أن تولد، في قلب المشهد يقف ” التوسل الإلكتروني ” : بيع الكرامة بالتقسيط مقابل فتات انتباه، يبدأ الأمر بريئا : أريد أن يصفق لي، ثم : سأفعل أي شيء كي لا أنطفئ .
هنا يولد الفقر أخطر من فقر الجيب : فقر المعنى، الشهرة تصبح إدمانا، و تنكسر الحدود، و يختزل الإنسان إلى لقطة، الٱن و المشكلة نفسية قبل أن تكون تقنية، فهي تغدي القلق المقارن : ترى حياة الٱخرين مصقولة فتحتقر حياتك، و تلاحق صورة مثالية فتكره واقعك، تتبدل البوصلة : بدل أن نسأل” هل هذا حق ؟” نسأل” هل هذا رائج؟” نحتاج تربية رقمية في المدارس، و ميثاقا أخلاقيا للمؤثرين، و دعما رسميا للمحتوى العلمي و التطوعي، و مساحات تكريم الأساتذة و الباحثين .
و نحتاج إعلاما يرفع الجودة، و أسرة تضع حدودا، و شابا يختار القدوة بعقله لا بغريزته، و محاسبة من يروج للكراهية و الإبتذال، و تشجيع منصات محلية تقدم المعرفة بمتعة، و تعيد للغة هيبتها و تحمي الطفل من الضياع .
و الحل واضح كالشمس : اقطع وقود التفاهة بالتجاهل، و اصنع نجومية للقيمة، و غير الذائقة ببديل محترم، و أطلب تكريما للرسالة لا للضجيج.
و الأهم أن تربي في داخلنا شرطة أخلاقية : أن نسأل قبل النشر : هل يرضى الله؟ هل ينفع الناس؟ هل يحفظ كرامتي و كرامة غيري؟ عندها فقط تتحول المنصات من سوق للضجيج إلى منبر للوعي، و يستقيم القلب و العقل و الذوق معا .
خلاصة قولنا : لا تهدف إلى الإستفسار، لا تطرح استفهاما، إنما هي إدانة، محاسبة، إصدار، حكم، أو تقييم نهائي صارم، إن استمرينا في مباركة التصفيق، فسنستيقظ يوما على جيل بلا لغة، بلا قدوة، بلا معنى، و حينها لن نلوم خوارزمية…. سنلوم أنفسنا، لأننا كنا شهودا على سقوط الروح، و اخترنا الصمت.
البداوي إدريسي : المدير المسؤول لجريدة : الأحداث الأسبوعية ” س / م – ن ” و الكاتب العام للإتحاد الوطني المستقل لقطاع الصحافة و الإعلاميين و معتمد لدى جريدة : الإنتفاضة من أجل الحداثة .