محللي السياسة والتكهنات المسبقة … حين يسبق اليقينُ كلمة القضاء!

0

الانتفاضة 

في السياسة كما في الإعلام، أخطر ما يمكن أن يقع هو أن يتحول التحليل إلى حكم نهائي، وأن تُقدَّم التوقعات للرأي العام وكأنها حقائق لا تقبل النقاش.

قبل أيام، قيل إن ما يجري مجرد “مؤامرة” هدفها تشويه صورة حزب، وإن القضية لا تعدو أن تكون حملة سياسية عابرة، هكذا بدا الخطاب يومها واثقاً إلى درجة أنه أغلق باب كل احتمال آخر، وكأن التحقيقات لن تتجاوز عناوين مواقع التواصل.

لكن الوقائع سرعان ما أخذت مساراً آخر، والملف لم يُطو، بل اتسعت دائرة بحثه القضائي، وبرز اسم عمدة طنجة منير الليموري ضمن مجريات التحقيق، مع صدور مذكرة بحث وطنية في حقه، في وقت يؤكد فيه المعني بالأمر أنه سيعود إلى المغرب وينفي أي صلة له بالقضية، وهو ما يجعل قرينة البراءة قائمة إلى أن يقول القضاء كلمته، وقد عاد اليوم بالفعل وهو الآن رهن إشارة سلطات التحقيق في ملف الشبهة الذي بدأ يلازمه.

وهنا بالضبط، لن يفوتنا أن نقف ولو قليلا، عند الكمّ الهائل من التحليلات والتكهنات المسبقة والروايات الموحدة لبعض اباطرة التحليل والنقذ، الذين افادوا بهوان وبطلان كل ما كان يلمّح لوجود اختلالات وتجاوزات طبعت عملية الاقتراع التشريعي ليوم 23 شتنبر الجاري، مرجحين كفة المؤامرة والتلفيق والرغبة بالاطاحة بسمعة الحزب المعني.

وهنا كذلك لن يفوتنا طرح الاستفهام الجليّ الذي لا محيد لنا عنه: إذا كان كل ما قيل عن الملف مجرد رواية مفبركة، فلماذا استمرت الأبحاث واتسع نطاقها؟ وإذا كانت القضية بلا أساس، فما الذي يدفع القضاء إلى مواصلة إجراءاته؟

فهذه الأسئلة لا تصدر حكماً على أحد، ولا تنتقص من حق أي شخص في الدفاع عن نفسه، لكنها تذكر بقاعدة لا ينبغي القفز عليها: القضاء وحده هو من يحدد المسؤوليات، وليس التحليل السياسي ولا الحماس الحزبي.

المحلل قد يصيب وقد يخطئ، وهذا أمر طبيعي، لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول الرأي إلى يقين، ثم تأتي تطورات الملف لتفرض أسئلة جديدة كان من الأفضل انتظارها قبل إطلاق الأحكام.

لذلك، قد يكون الدرس الأهم في هذه القضية هو أن التروي ليس ضعفاً، وأن احترام مسار العدالة أكثر حكمة من التسرع في إعلان البراءة أو الإدانة. فالحقيقة لا تُبنى على الانطباعات والتحليلات، بل على ما تثبته التحقيقات وما تنتهي إليه أحكام القضاء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.